الجمعة، 5 فبراير، 2016

البرلمان والمجلس الدستوري

رفقة الأستاذ المحترم لاأمين شريط ،أستاذ القانون الدستوري ورئيس لجنة الشؤون القانونية بمجلس الأمة
مكانة البرلمان الجزائري في اجتهاد المجلــس الدستوري

                 بقلم الأستاذ  الأمين شريط   
       
مقال منشور في مجلة  المجلس الدستوري الجزائري، عدد 1-2013 ص ص 11-37.
                                                                 
الملخص:
تتحدد العلاقة بين جهات الرقابة الدستورية والبرلمانات من خلال ما تتمتع به جهات الرقابة من آليات وتقنيات للتأثير على البرلمانات توجد في مقدمتها طبيعة الرقابة نفسها فالتقنيات التي تتوصل إليها هذه الجهات لتوسيع مجال رقابتها، أو تضييق مجال النشاط البرلماني.

المقدمـــة
إن " العلاقة بين جهات الرقابة الدستورية والبرلمانات  " تختلف في حدود هامة باختلاف الطبيعة القانونية لهذه الرقابة.
فمن المعلوم أن الرقابة ذات الطبيعة القضائية والتي ظهرت لأول مرة في الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق الدفع  ( Contrôle par voie d’exception) والتي تمارسها مختلف المحاكم مبدئيا ، وكذلك الرقابة القضائية عن طريق الدعوى( Contrôle par voie d’action) والتي ظهرت سنة 1920 بفضل أعمال ومجهودات هانس كلسن (Hans Kelsen) في النمسا ثم انتشرت في معظم بلدان أوروبا الغربية بإنشاء محاكم دستورية عليا لهذا الغرض ، هي رقابة ذات تأثير محدود نسبيا على البرلمانات لكونها رقابة لاحقة أساسا من جهة ، ولكونها رقابة مطابقة عادة ، أي أنها تنحصر في مدى مطابقة النص المعروض على المحكمة للنص الدستوري  مما يجعل تأثير هذا النوع من الرقابة على البرلمانات محدود بالمقارنة مع الرقابة السياسية .
أما الرقابة ذات الطبيعة السياسية (أو المختلطة) والتي تمارسها المجالس الدستورية مثلما هو الشأن في الجزائر ، فهي رقابة ذات تأثير بالغ وهام على البرلمانات لأسباب عديدة سنعمل على توضيح وإبراز البعض منها في هذا البحث استنادا إلى التجربة الجزائرية ، علما أنها رقابة مؤثرة على البرلمانات أيضا بحكم أصولها التاريخية والفلسفة التي أدت إلى ظهورها في فرنسا بموجب دستور 1958 .
لذا فإن العلاقة بين جهات الرقابة الدستورية والبرلمانات تتحدد من خلال ما تتمتع به جهات الرقابة من آليات وتقنيات للتأثير على البرلمانات توجد في مقدمتها ، من وجهة نظرنا طبيعة الرقابة نفسها (أولا) ثم التقنيات التي تتوصل إليها هذه الجهات لتوسيع مجال رقابتها (ثانيا) أو تضييق مجال النشاط البرلماني (ثالثا) .

أولا : طبيعة الرقابة
كان من نتائج عقلنة النشاط البرلماني(Rationalisation du régime parlementaire   تأسيس رقابة سابقة وإلزامية الشيء الذي يتحقق عن طريق المجالس الدستورية.

1 - عقلنة النشاط البرلماني 
لقد ساد في فرنسا نظام برلماني قوي ، إذ اعتبر البرلمان هو المعبر عن الإرادة العامة للأمة التي لا تقبل أي تقييد أو رقابة ، مما يجعل البرلمان يشرع في أي موضوع أو مادة بشكل مطلق ويعين ويراقب الحكومة في كل كبيرة وصغيرة إلى درجة وصف هذا النظام بالديكتاتورية البرلمانية في كثير من المراحل ، وقد كانت هذه الوضعية ، إلى جانب الصراعات الحزبية التي تغذيها ، من الأسباب الرئيسية لسقوط الجمهورية الرابعة .
لذلك جاء دستور الجمهورية الخامسة لسنة 1958 بهدف التقليل من حجم البرلمان وتقييده بوضع إطار محدد يمارس فيه نشاطه التشريعي والرقابي ، تمثلت أهم معالمه في تحديد أو حصر المجال التشريعي وترك ما عدا ذلك للسلطة التنظيمية ، مع إشراك الحكومة في كامل الإجراءات التشريعية داخل البرلمان إلى جانب تحكمها في جدول أعماله وكذلك إخضاع القوانين أو الأنظمة الداخلية لغرف البرلمان إلى رقابة دستورية سابقة إلى غير ذلك مما عرف " بعقلنة النظام البرلماني " .
لهذا الغرض ، ولحسن تنفيذ هذه العقلنة التي تضمنها الدستور ، كان لابد من إنشاء هيئة للرقابة على دستورية القوانين تمنع البرلمان من تجاوز اختصاصاته ، ولذا نجد أن معظم الباحثين الفرنسيين يعتبرون أن المؤسس الدستوري الفرنسي ، عندما أنشأ المجلس الدستوري سنة 1958 بطريقة مختلفة عن المحاكم الدستورية في أوروبا ، كان يهدف إلى تدعيم وتقوية السلطة التنفيذية وإضعاف البرلمان ، وكانت مهمة المجلس الدستوري هي " حراسة البرلمان " الشيء الذي أدى إلى اعتباره جهازا ذا طبيعة سياسية(1).
وبالرغم من أن المجلس الدستوري الفرنسي قد تطور كثيرا منذ 1958 حتى اليوم بفعل اجتهاداته التي أثبتت حمايته للبرلمان وتوسيع مجال اختصاصه التشريعي بدءا من سنة 1971 وبفعل تمديد إخطاره إلى 60 نائبا أو 60 عضوا من غرفة الشيوخ وغير ذلك مما جعل الرأي السائد بخصوصه حاليا أنه أصبح ذا طبيعة مختلطة (قضائية سياسية) ووصفه من طرف البعض الآخر " بالمحكمة الدستورية " (2) ، بالرغم من ذلك فإنه لم يرق إلى مصاف المحاكم الدستورية ولازالت السمة الأولى لرقابته أنها ذات طابع سياسي بحكم طريقة تشكيله (التعيين) وبحكم كونها رقابة سابقة أساسا .
وبغض النظر عن تقييم هذا النوع من الرقابة ، التي هي رقابة جيدة عموما ولها إيجابيات كثيرة ،  فإن الغاية الأساسية والعلة الرئيسية من إنشاء المجالس الدستورية ، على غرار المجلس الدستوري الفرنسي ، ليست إقامة قضاء دستوري همه الأساسي الحرس على مطابقة القوانين للدستور (الشيء الذي يستنبع إنشاء محكمة دستورية منطقيا) ولكن الحرس على عدم تجاوز البرلمان لاختصاصاته المحددة على سبيل الحصر (عادة) في الدستور حتى لا يعتدي على المجال المخصص للسلطة التنفيذية ولا يعرقلها ، وهذا يعني أنه وجد للتأثير على البرلمان أساسا (3) خاصة أن مهمته الأولى هي مراقبة مدى دستورية القوانين ، بعكس الرقابة القضائية التي تؤديها المحاكم في إطار وظيفتها القضائية إلى جانب مهامها الأخرى ، إلا نادرا .
هل يمكن تمديد مثل هذا التحليل إلى المجلس الدستوري الجزائري وبالتالي القول أنه هو أيضا يقوم بحراسة البرلمان ومحاصرته داخل حدود اختصاصاته وربما مزاحمته أو مشاركته فيها ؟
ينبغي التذكير أولا، أن هناك اختلافات جوهرية بين المجلس الدستوري الجزائري والمجلس الدستوري الفرنسي سواء من حيث التشكيل أو من حيث إجراءات أو طبيعة الرقابة .
* فمن حيث التشكيل ، فإن المجلس الدستوري الجزائري ليس معينا برمته ، بل يعين رئيس الجمهورية ثلاثة أعضاء من بينهم رئيس المجلس ، في حين أن الأعضاء الآخرين وهم الثلثين (2/3) منتخبين من غرفتي البرلمان على أساس عضوين (2) من كل غرفة ، والسلطة القضائية تنتخب عضوين وهذا طبقا للمادة 164 من دستور 1996 .
هذه الطريقة في تشكيل المجلس قريبة جدا مما هو معمول به في العديد من المحاكم الدستورية (4) مما يجعل طريقة تشكيل المجلس الدستوري ليست ذات أثر أو أهمية كبيرة في تحديد طبيعة الرقابة الدستورية ، وبالعكس من ذلك فإن المجلس الدستوري الفرنسي معين بكافة أعضائه (ماعدا رؤساء الجمهورية السابقين المعينين بحكم القانون لكنهم لا يشاركون في أشغاله عادة) .
 * من حيث أساليب الرقابة ، فإن المجلس الدستوري الجزائري يمارس رقابة لاحقة بصفة أصلية طبقا للمادة 165 من الدستور ، وهذا إلى جانب الرقابة السابقة بعكس المجلس الدستوري الفرنسي الذي لا يمارس إلا رقابة سابقة فقط ولا يمكنه ممارسة أية رقابة لاحقة إلا من باب التصدي فقط ، أي عندما يعرض عليه نص قانوني جديد يعدل نص قانوني سابق وساري المفعول.
إلى جانب ذلك فإن آراء وقرارات المجلس الدستوري الجزائري تتمتع بقوة حجية الشيء المقضي به مثل الأحكام والقرارات القضائية وهذا بموجب نص صريح في الدستـور وهو المـادة 169   (دستور 1996) .
لكل هذه الاعتبارات فإن الرقابية الدستورية في الجزائر هي رقابة مختلطة (سياسية قضائية) وإن كان يغلب عليها الطابع القضائي بحكم العناصر المذكورة أعلاه .
لكن رغم هذه الفروق الجوهرية مع المجلس الدستوري الفرنسي ، فإن إمكانية تمديد التحليل السابق ذكره بخصوص هذا الأخير إلى المجلس الدستوري الجزائري تبقى قائمة للأسباب التالية :
لقد استعمل المؤسس الدستوري الجزائري نفس الأساليب والتقنيات التي تضمنها دستور الجمهورية الخامسة لعقلنة النظام البرلماني بقصد احتواء البرلمان الفرنسي والتقليل من دوره ووضع حد لهيمنة الغرفتين وانحرافاتها السابقة (5) ، من هذه التقنيات التي تضمنها الدستور الجزائري ، هناك:
أولا : تحديد المجال الذي يشرع فيه البرلمان (المادة 122 من دستور 1996 مع التنبيه أن نفس الأحكام تضمنها دستور 1989) علما أن التشريع في هذا المجال غير مقصور على البرلمان ، إذ تشرع فيه السلطة التنفيذية عن طريق الأوامر طبقا للمادة 124 من الدستور .
ثانيا : تحكم الحكومة في جدول أعمال غرفتي البرلمان ومشاركتها في كافة مراحل الإجراءات التشريعية عملا بأحكام المادة 115 من الدستور المفصلة في القانون العضوي المنظم للمجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة وعملهما وكذا العلاقات الوظيفية بينهما وبين الحكومة (6).
ثالثا : خضوع رقابة البرلمان لعمل الحكومة إلى إجراءات مدققة ومفصلة في القانون العضوي المذكور أعلاه تطبيقا للمواد : 80، 133، 137 وكذلك 135و137 من الدستور .
رابعا : أن الأنظمة الداخلية للغرفتين وكذلك القوانين العضوية تخضع وجوبا إلى رقابة سابقة من طرف المجلس الدستوري طبقا للمادة 165 من الدستور.

الملاحظ إذن أن الدستور قد رسم بدقة الدائرة أو الحدود التي يتحرك داخلها البرلمان فإذا أخذنا بعين الاعتبار أن المجلس الدستوري لا يراقب عمليا وحسبما أثبتته التجربة منذ إنشائه حتى اليوم ، لا يراقب النصوص التنظيمية وكذلك الأوامر التشريعية التي تصدر عن السلطة التنفيذية ، فإننا سنجد أن مهمته في إطار الرقابة على دستورية القوانين ، تكاد تنحصر في رقابة البرلمان حتى لا يخرج من الحدود المرسومة له في الدستور.

2 - إلزامية الرقابة السابقة
الواقع أن الرقابة المسبقة بحد ذاتها لا تطرح أي إشكال ، بل هي مستحسنة لكونها تمنع صدور نصوص مخالفة للدستور ووضعها موضع التنفيذ ، لكنها منتقدة من جهة أخرى لسببين رئيسيين هما أنها تمس بمبدأ استقلالية البرلمان (autonomie du parlement ) عندما تتعلق بالقوانين الداخلية للغرف ولطابعها السياسي في نفس الوقت .
* الطابع السياسي يتحقق أو يتجسد من كون النص التشريعي المعد من طرف البرلمان لا يكون نصا تشريعيا مكتملا إلا بعد موافقة المجلس الدستوري عليه ، فهي تحول المجلس الدستوري إلى شريك في التشريع ، إذ يرى معظم الباحثين وأعمدة الفكر السياسي والدستوري أمثال جورج بيردو وغيره ، أن الرقابة السابقة بطبيعتها رقابة سياسية حتما وإلزاميا لكونها تعبر عن مشاركة ، ولو سلبية في إعداد القانون (7).
ويفسر ذلك بكون القرارات أو الآراء التي يصدرها المجلس الدستوري قبل نشر القانون تشكل تدخلا في الإجراءات التشريعية وبالتالي مساهمة في التشريع ، لأن نشر القانون هو الإجراء الأخير الذي يختم العمل التشريعي (8).
نفس الرأي تقريبا عند بعض الباحثين الجزائريين بخصوص المجلس الدستوري الجزائري عندما يصفونه " بالمشرع الشريك " (9) ، لكن ما يؤيد الرأي السابق أكثر بشكل واضح ، هو اجتهاد المجلس الدستوري نفسه الذي اعتبر أن النظام الداخلي لأي من غرفتي البرلمان " لا يكتسي صفة النظام الداخلي ولا يمكن الشروع في تطبيقه إلا من يوم تصريح المجلس الدستوري بمطابقته للدستور " (10).
هذا الرأي بطبيعة الحال صحيح طالما أنه مؤسس على أحكام المادة 165 من الدستور وكذلك المادة 169 ، وما نريد قوله هو أن الرقابة السابقة تشكل وسيلة فعالة وحاسمة في التأثير على البرلمان بفضل ما تتيحه للمجلس الدستوري من حذف وإضافة وإعادة صياغة أو إعادة تحرير واستبدال المصطلحات إلى غير ذلك من الوسائل المؤثرة في النص التشريعي المعروض على المجلس الدستوري ، والتي تتجلى في مختلف آرائه منذ نشأته حتى اليوم ، وسنعود إلى الكلام عنها في الفقرات اللاحقة.
كل هذا يفيد بالفعل أن الرقابة السابقة تجعل من المجلس الدستوري شريكا في إعداد النص التشريعي ، غير أن أهم تأثير لهذه الرقابة على البرلمان يتحقق عند رقابة الأنظمة الداخلية لغرف البرلمان وهذا بصفة عامة وليس فقط في الجزائر .
فالمبدأ العام والأساسي أن البرلمان يتمتع " بالسيادة في إعداد القانون والتصويت عليه " (المادة 98 من دستور 1996) ولذا فإن وضع نظامه الداخلي من طرفه بكل سيادة اعتبر دائما مظهرا رئيسيا لاستقلاليته ، وكل تدخل في ذلك من أية جهة كانت ، يجعل من تلك السيادة سيادة واستقلالية منقوصة .
فمن خلال الأنظمة الداخلية للبرلمانات تتمكن المجالس الدستورية عموما من تحديد وضبط المكانة التي يحتلها البرلمان في النظام الدستوري والسياسي للدولة ، ولا غرابة أن أهم النزاعات أو " المنازعات" بين المجالس الدستورية والبرلمانات ، تنشب بخصوص رقابة الأنظمة الداخلية ، والقوانين الخاصة بأعضاء البرلمان والتجربة الجزائرية كما سنرى ، لم تفلت من ذلك ، خاصة أن هذه التجربة تميزت بعرض كافة ما يتعلق بالبرلمان من نصوص قانونية ، سواء أنظمة داخلية أو قوانين عضوية أو قوانين عادية (قانون النائب) على المجلس الدستوري للرقابة المسبقة.
في هذا السياق فإن أهم تأثير أحدثه المجلس الدستوري على البرلمان الجزائري كان في رأيه المتعلق بالنظام الداخلي لمجلس الأمة سنة 1998 (11) والذي ارتأى فيه أن مجلس الأمة ليس له الحق في التعديل، الشيء الذي جمده منذ ذلك الحين حتى اليوم وأبعده عن العمل التشريعي .
وبغض النظر عن مدى صائبية وصحة هذا الرأي الذي سنعود إليه لاحقا، فقد شكل إحدى أهم الخلافات بين البرلمان والمجلس الدستوري ولازال محل نقاش فقهي.
 إضافة إلى عوامل التأثير السابق ذكرها والتي تترتب على الرقابة السابقة وجوبا ، فإن المجالس الدستورية لجأت أكثر من غيرها ، إلى توسيع مجال الرقابة الدستورية باعتماد تقنيـات عديـدة من أهمها فكـرة الكتلة الدستورية (Bloc de constitutionalité ) والتحفظات التفسيرية (les réserves d’interprétation ) وقد أخذ بها المجلس الدستوري الجزائري منذ 1989 .

 ثانيا : توسيع مجال الرقابة الدستورية
المجالس الدستورية عموما ، وعلى غرار المجلس الدستوري الفرنسي ، وسعت بشكل ملحوظ مجال رقابتها للنصوص المعروضة عليها بطرق منها ما يلي:

1 - الكتلة الدستورية
يقصد بها مجموعة النصوص القانونية والوثائق التي يستند إليها المجلس الدستوري لقياس مدى دستورية النص التشريعي أو التنظيمي المعروض عليه وهي تتضمن الدستور وغيره من النصوص التي يعتبرها المجلس ذات قيمة أو أهمية دستورية.
إن مفهوم " الكتلة الدستورية " قد استعمله المجلس الدستوري الفرنسي إذ اعتمد ، إلى جانب الدستور، على ديباجة الدستور ، وإعلان حقوق الإنسان والمواطن لسنة 1789 ومبادئ دستور 1946 ثم ابتدع مفهوم " المبادئ الأساسية المعترف بها في قوانين الجمهورية " وهي غير واضحة وغير محددة إلا حسبما يراه المجلس الدستوري نفسه بكل حرية ، ثم أضاف إلى ذلك طائفة أخرى سميت " بالمبادئ ذات القيمة الدستورية " وهي لا توجد في نص معين، ولكن تستخلص من " روح القوانين " .
إلى جانب ذلك هناك أيضا " الأهداف ذات القيمة الدستورية " وهي عبارة عن توجهات أو خيارات سياسية واجتماعية (12)
وقد ذهب المجلس الدستوري الفرنسي إلى درجة اشتراط أنه لا يكفي أن يكون النص المعروض عليه دستوريا بالرجوع إلى الكتلة الدستورية المذكورة ، بل يجب أن يكون نصا واضحا ومفهوما أو قابلا للفهم ، وهكذا أرسى مبدأين آخرين يتعلقان بالصياغة وهما مبدأ الوضوح (principe de clarté ) ومبدأ القابلية للفهم (principe d  intelligibilité)  وبالتالي يقضي بعدم دستورية النص المعروض عليه إن لم تتوفر فيه هذه الشروط (13).
هذا التمديد المتواصل للكتلة الدستورية أدى إلى  انتقاده من طرف الباحثين الفرنسيين الذين وصفوا هذه الكتلة الدستورية " بدستور القضاة " و " حكومة القضاة " ووصف المبادئ التي اعتمدها المجلس بكونها فلسفية وغامضة و " ذات أبعاد متغيرة " (principes a géométrie variable ) كما أثارت خلافات ونزاعات حادة بين المجلس والبرلمان وحتى الحكومة نفسها أحيانا (14)
الرأي السائد في مثل هذه الوضعية ، وبخصوص مفهوم الكتلة الدستورية ، هو أن البرلمان يصبح مقيدا بقيود يجهلها ويفقد سيادته في التشريع ويصبح همه الرئيسي هو التفكير في كيفية تفادي إدانته من طرف المجلس الدستوري بآراء لا أساس لها في الدستور نفسه .
بالرجوع إلى التجربة الجزائرية ، فإن المجلس الدستوري قد استند إلى ديباجة الدستور في رأيه رقم 01/02  ليوم 3/4/2002 المتعلق بدسترة الأمازيغية كلغة وطنية وفي رأيه رقم 01/08 المؤرخ في 7/11/2008 المتعلق بتعديل الدستور وهذا فيما يخص توسيع تمثيل المرأة في المجالس المنتخبة .
إلى جانب ذلك استخلص المجلس الدستوري بعض المبادئ من " روح الدستور " كمبدأ الفصل بين السلطات ومبدأ توزيع الاختصاص في مختلف آرائه المتعلقة برقابة النظامين الداخليين للغرفتين (15).
استند المجلس أيضا إلى الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها الجزائر والتي تندرج في القانون الداخلي وتسمو عليه بموجب المادة 123 من دستور 1989 (المادة 192 من دستور 1996) ومن بينها ميثاقي الأمم المتحدة لحقوق الإنسان لسنة 1966 وكذلك الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب وهذا في أول قرار له بتاريخ 20/08/89 المتعلق بقانون الانتخابات ، بل استند حتى إلى الأعراف الدولية في قراره رقم 02/89 المؤرخ في 30/8/89 والمتعلق بالقانون الأساسي للنائب الذي نص على تمكين النائب في المجلس الوطني الشعبي من جواز سفر ديبلوماسي معتبرا ذلك من اختصاص السلطة التنفيذية (16) .
يمكن القول أيضا أن المجلس الدستوري قد أخذ بمفهوم " المبادئ المعترف بها في قوانين الجمهورية " الذي رأيناه عند المجلس الدستوري الفرنسي ، وهذا عندما أكد مرارا أن قانون الجنسية هو الذي يتكفل بتحديد الآثار المترتبة على اكتساب الجنسية الجزائرية ، أي أنه يستند إلى قانون الجنسية ، (وهو قانون عادي يمكن للمشرع تعديله) لإلغاء أحكام في النص المعروض عليه (17).
مثل هذا التوجه في توسيع دائرة الكتلة الدستورية إلى مبادئ في القوانين العادية ، جعلت بعض الباحثين يرون أن المجلس الدستوري قد ذهب " في مجال تقييد المشرع إلى حد إقرار مبدأ مفاده أن قانون الجنسية هو الذي يتكفل بتحديد الآثار المترتبة على اكتساب الجنسية الجزائرية من حيث التمتع بالحقوق المتعلقة بالصفة الجزائرية ، ويقيد كل تشريع آخر في هذا المجال ولا يمكن لقانون غيره أن يعدل أو ينقص من تلك الآثار " (18)
الملاحظ إذن أن كل توسع في الكتلة الدستورية يترتب عنه تقييد المشرع وتضييق مجاله التشريعي وكثيرا ما يؤدي ذلك إلى نزاعات أو خلافات مع البرلمان مثلما رأينا في فرنسا ، بل حتى في الجزائر ، فإن البرلمان عبر عن عدم قناعته بقرار المجلس الدستوري السالف الذكر.
فقد نصت المادة 86 من قانون الانتخابات الصادر عن المجلس الشعبي الوطني على اشتراط الجنسية الأصلية في المترشحين للانتخابات التشريعية والرئاسية وفي زوجاتهم ، الشيء الذي ألغاه المجلس الدستوري بموجب قراره رقم 01/89 على أساس قانون الجنسية والمادة 28 من الدستـور (29 حاليا) التي تنص على مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون.
لكن البرلمان لم يقتنع بهذا القرار معتبرا أن الدستور يخوله وضع الشروط التي يراها مناسبة لممارسة الحق الانتخابي وهذا بإعادة الكرة مرة أخرى في المادة 108 من الأمر الصادر في 19/07/1995 المتضمن تعديل قانون الانتخابات مشترطا على المترشحين لرئاسة الجمهورية تقديم الجنسية الأصلية لهم ولزوجاتهم .
هذا التصرف لم يعجب المجلس الدستوري فاجتمع من تلقاء نفسه دون إخطار ، وأصدر بيانا ذكر فيه بعدم دستورية هذا الشرط طبقا لرأيه الصادر في 20/08/1989 .
وعندما تم إخطاره رسميا بالمادة 108 المذكورة ، أصدر القرار رقم 01/95 في 06/08/1995 تضمن نقطتين :
1- إن قرارات وآراء المجلس الدستوري ترتب بصفة دائمة كامل آثارها ما لم يتعرض الدستور للتعديل وطالما أن الأسباب التي تؤسس منطوقها لا زالت قائمة ، وهي ذات صبغة نهائية وذات نفاذ فوري وتلزم كل السلطات العمومية .
2- أن المشرع في هذا النص، قد تجاهل قوة قرار المجلس الدستوري ، ومن ثم فإنه لا وجه للبت في مدى دستوريته من جديد (19)
يمكن ملاحظة شدة لهجة الغضب إن صح التعبير ، التي عالج بها المجلس الدستوري عدم الانصياع لقراراته ، ومع ذلك طرح نفس المشكل للمرة الثالثة في القانون العضوي المتعلق بالأحزاب السياسية، إذ اشترطت المادة 13 منه الجنسية الأصلية الجزائرية في الأعضاء المؤسسين للأحزاب ، الشيء الذي اعتبره المجلس الدستوري في قراره رقم 01/97 ليوم 6/3/97 المذكور ، غير مطابق للدستور مصرحا بأن كل " تشريع في هذا المجال ينبغي أن يتقيد بأحكام قانون الجنسية " بالإضافة إلى الاستناد إلى المادة 29 منه للدستور ، يمكن اعتبار هذه الحالة كنزاع أو خلاف بين البرلمان والمجلس الدستوري .

2-  التحفظات التفسيرية
يمكن القول أنه كلما اتسعت الكتلة الدستورية ، كلما كانت النصوص المعروضة على الرقابة الدستورية عرضة للقضاء بعدم دستوريتها أو عدم انسجامها مع هذه الكتلة، وهنا تصبح المجالس والمحاكم الدستورية آلة لرفض النصوص القانونية ، لذا فإن اللجوء إلى التحفظات التفسيرية يسمح بتفادي الإدانة المتكررة للبرلمانات وتجاوز النزاعات معها ، ذلك أن الجهات الرقابية تجيز هذه النصوص لكن مع إبداء تحفظات على بعض أحكامها.
إلى جانب ذلك تسمح التحفظات التفسيرية لجهات الرقابة الدستورية، خاصة المجالس الدستورية، أن تلعب دور الحكم أو المعدل والمنظم للحياة السياسية بين البرلمان والحكومة أو بين الأغلبية والمعارضة بإعطاء حلول وسطى ، بحيث لا تدين طرفا ولا تغضب الطرف الآخر.
فالمجالس الدستورية ، بهذه الكيفية تتحول إلى مؤسسة مهيمنة تتمتع " بسلطة تعديل غير قابلة للدحض أو لاثبات العكس . سلطة تعديل لأنها تستطيع إلغاء بعض الأحكام التشريعية والتصريح بتجريد البعض الآخر من أية آثار قانونية ، وتحديد الشروط التي يطبق فيها القانون بموجب تحفظ تفسيري آمر ، أو إعطاء توجيهات ونصائح لإعادة كتابة النص الذي ترفضه عند تسبيب قرارها " (20)
ومن المعلوم أن المجلس الدستوري الجزائري استعمل التحفظات التفسيرية منذ نشأته وفي أول قرار له بتاريخ 20/8/89 في مراقبته لقانون الانتخابات وفي مختلف آراءه وقراراته المتعلقة بالرقابة حتى اليوم وقد استعمل كافة أنواع التحفظات سواء التحفظات البناءة (réserves constructives) أو التحفظات التحييدية (réserves neutralisantes ) أو التحفظات الآمرة (réserves impératives ) (21)
ودون حاجة إلى عرض أمثلة عن مختلف أنواع التحفظات التفسيرية التي أبداها المجلس في قراراته وآرائه وهي كثيرة جدا ، فإننا نورد نموذجا  واحدا يتعلق بالمادة 99 من القانون العضوي الذي يحدد تنظيم المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة وعملهما وكذا العلاقات الوظيفية بينهما وبين الحكومة في رأيه رقم 08/99 المؤرخ في 21/02/1999 والسابق ذكره  حيث تنص هذه المادة :
- " يرأس البرلمان المنعقد بغرفتيه المجتمعتين معا رئيس المجلس الشعبي الوطني أو رئيس مجلس الأمة بالتناوب " ، اعتبر المجلس الدستوري أن المشرع أقر نظام التناوب على رئاسة البرلمان المنعقد بغرفتيه دون أن يحدد الحالات التي يمارس فيها هذا التناوب ، وأن هذا التناوب لا يمكن أن يمارس خارج الحالات التي أقرها الدستور ، إلى جانب ذلك فإن رئيس مجلس الأمة قد يتولى رئاسة الدولة بالنيابة أو رئاسة الدولة في حالة الشغور طبقا للمادة 88 من الدستور ، وبالتالي لا يمكن أن تعود إليه رئاسة البرلمان المجتمع بغرفتيه في هذه الحالة ، الشيء الذي يفيد أن المشرع أغفل الحالة المنصوص عليها في المادة 88 من الدستور .
بناء على ذلك فإن المجلس لم يعتبر هذه المادة غير دستورية، ولكنه قام بإعادة كتابتها وصياغتها بشكل كلي ومفصل لعدم ترك أي مجال للغموض أو اللبس الذي أشار إليه ، وبعد أن كانت تتضمن فقرة واحدة مقتضبة ، أصبحت تتكون من فقرتين وفيها إحصاء شامل لحالات اجتماع البرلمان بغرفتيه الذي يرأسه رئيس مجلس الأمة إلا في حالة واحدة وهي " تولي رئاسة الدولة طبقا للمادة 88 من الدستور".
هذه المادة أصبحت مختلفة شكلا ومضمونا عن المادة الأصلية ، إلى درجة اعتبار بعض الباحثين لهذا المسلك على أنه مسلك جرئ جدا وقد أدى بالمجلس الدستوري إلى إحلال إرادته محل إرادة المشرع ، وربما محل إرادة المؤسس الدستوري (22)
من الواضح إذن أن التحفظات التفسيرية رغم إيجابياتها ، تشكل من جهة أخرى، سلاحا خطيرا قي يد جهات الرقابة الدستورية ليس فقط للتأثير على البرلمانات ، ولكن للحلول محلها في ممارسة العمل التشريعي.
إذا كانت الوسائل والأساليب والتقنيات التي استعرضناها أعلاه ، تمكن المجالس الدستورية من توسيع نطاق ومجال رقابتها وفرض هيمنتها على البرلمانات فإنها تستطيع أيضا تضييق مجال نشاطات هذه البرلمانات وتقييد إرادتها بفضل وسائل أخرى .

ثالثا : تضييق مجال النشاط البرلماني
يمكن القول أن الرقابة الدستورية عن طريق المجالس الدستورية بصفة عامة وفي مختلف البلدان التي تعمل بها أسفرت عن تضييق مجال النشاط البرلماني بشقيه ، التشريعي والرقابي:

1 - تضييق المجال التشريعي
يتحقق هذا التضييق بصفة أساسية من خلال المضمون الذي يعطى لمبدأ الفصل بين السلطات ومن خلال تقييد حق التعديل .
إن لجوء العديد من الدساتير إلى تحديد المجال التشريعي في موضوعات معينة وغالبا ما تكون مذكورة على سبيل الحصر، مثلما هو الشأن بالنسبة للمادة 34 من الدستور الفرنسي لسنة 1958، وكذلك الدساتير الجزائرية لسنة 1976 ثم دستور 1989 وأخيرا دستور 1996 في المادة 122 ، وترك ماعدا ذلك إلى السلطة التنظيمية (المادة 125 من دستور 1996) ، أدى إلى إعطاء المجالس الدستورية سلطة تقديرية واسعة في تقدير ما يعود إلى اختصاص البرلمان وما يخرج عن هذا الاختصاص .
والواقع أنه ليس من السهل أو من الواضح والبين، الفصل بين المجالين لكون الدساتير نفسها تترك مناطق غموض أو تشابك بين المجالين لاستحالة التمييز الدقيق بينهما .
لذلك فإن اجتهادات المجالس الدستورية بهذا الصدد ، كانت عموما ، محل خلافات ونزاعات أو انتقادات من طرف البرلمانات والسياسيين وحتى الفقه ، وقد استندت المجالس الدستورية في اجتهاداتها إلى مبدأ الفصل بين السلطات ومبدأ توزيع الاختصاص المترتب عنه ، وأعطت لهذه المبادئ تفسيرات أو تطبيقات مختلفة لا تحوز على موافقة أو قبول الجميع ، إلى جانب ذلك فإن مبدأ الفصل بين السلطات كان دائما مبدأ نظريا وطموحا سياسيا أكثر منه حقيقة معاشة في كافة الأنظمة السياسية لكونه ضعيف الارتباط بالواقع الفعلي (23).
إن الفكرة الأساسية التي بنى عليها مبدأ الفصل بين السلطات ، خاصة في منظور مونتسكيو  تتمثل في الصراع بين السلطات السياسية العليا (التنفيذية والتشريعية) التي على كل واحدة منها أن توقف الأخرى في حالة تجاوزها لاختصاصاتها ، هي فكرة تجاوزها الزمن بفعل انقسام الأنظمة التي تنتهج التداول على السلطة، إلى أغلبية من جهة ومعارضة من جهة أخرى علما أن الحكومة (السلطة التنفيذية) في هذه الحالة  هي حكومة الأغلبية البرلمانية وهكذا انتقل مبدأ الفصل إلى هذا المستوى وأصبحت له مضامين جديدة .
ولذا نجد أن البلدان الأوروبية وضعت، أو تسعى لوضع ، قوانين عضوية أو دستورية تحدد من خلالها مركز المعارضة (statut de l’opposition) وتضمن حقوقها بضمانات خاصة (24) ولذا فإن منح الحق لنسبة معينة من أعضاء البرلمان في إخطار جهات الرقابة الدستورية ، مثلما هو الحال في فرنسا   (60 نائبا أو 60 شيخا) يندرج في هذا الإطار ، وبذلك تحول مركز الثقل في نشاط المجلس الدستوري إلى إدارة وضبط الصراع بين الأغلبية والمعارضة من حيث الجوهر.
أما بالنسبة للأنظمة التي لازالت تعتمد الفهم التقليدي لمبدأ الفصل بين السلطات ، فإن هذا الفهم تدفع ثمنه البرلمانات لعدم فعلية وفعالية المبدأ نتيجة عدم فعلية وفعالية لا المعارضة ولا حتى الأغلبية .
تلك هي الوضعية العامة بالنسبة لمختلف جهات الرقابة الدستورية بخصوص هذه النقطة ، وبالرجوع إلى التجربة الجزائرية ، فقد أشرنا إلى أن المجلس الدستوري قد استخلص مبدأ الفصل بين السلطات من مقتضيات الدستور وكيفية تنظيمه للسلطات العمومية وأكد في العديد من قراراته وآرائه التي سبق ذكرها وقد رتب عليه نتائج هامة ، تمثلت في رأي بعض الباحثين في " حصر " البرلمان في نطاق الاختصاصات التي يرى ، حسب تصوره وفهمه الدستور ، أنه قد حددها للبرلمان (25)
إن التطبيق الصارم لمبدأ الفصل بين السلطات من طرف المجلس الدستوري لا يطرح بحد ذاته أي إشكال طالما يكون ذلك في صالح كل السلطات ويحقق التوازن بينها ويستند إلى أحكام واضحة في الدستور نفسه وبالتالي احترامه ، لكن الإشكال يطرح عندما تكون القرارات أو الآراء محل خلاف مع البرلمان ، من ذلك مثلا رأيه المتعلق بالقانون الأساسي للنائب الذي يتضمن نظام التعويضات والتقاعد لعضو البرلمان ، إذ قام المجلس بإلغاء كل الأحكام المتعلقة بالتقاعد على أنها بدون أساس دستوري ، رغم أن التقاعد يدخل في المجال التشريعي مبدئيا وكان منظما بموجب قانون منذ سنة 1983 ، الشيء الذي جعل البعض يعتبر أن هذا الرأي " غير مقنع بشكل كاف " ولا يمكن فهمه إلا بمنهج التفسير الضيق لدستورية القوانين العادية الذي اعتمده المجلس الدستوري (26) .
والواقع أن رأي المجلس الدستوري رقم 12/01 المؤرخ في 13 جانفي 2001 والمتعلق بالقانون الأساسي لعضو البرلمان ، غير مقنع ، ليس فقط بسبب " التفسير الضيق " الذي انتهجه المجلس، بل لأسباب أخرى أكثر أهمية تتمثل في أن البرلمان لم يضع في هذا القانون أية قواعد جديدة تتعلق بتقاعد أعضاء البرلمان ، بل أحال في المادة 38 منه إلى أحكام المادة 49 من القانون الأساسي للنائـب رقـم 89-14 المؤرخ في 9/8/89 والذي عرض على المجلس الدستوري آنذاك وأصدر بشأنه قراره رقـم 02/89 المؤرخ في 30/08/89 السالف الذكر معتبرا أن المادة 49 منه المتضمنة أحكام التقاعد مطابقة للدستور.
رغم ذلك، فإن المجلس عندما عرض عليه القانون الأساسي لعضو البرلمان في جانفـي 2001 قام بعملية تصدي للقانون الأساسي للنائب رقم 89-14 وأعاد النظر في المادة 49 منه المتضمنة أحكام التقاعـد واعتبرهـا غيـر مطابقـة للدستـور وألغاهـا ، ممـا يجعل الإحالـة عليها في القانون الجديـد بـدون موضـوع .
 ويلاحظ هنا أن المجلس الدستوري لم يأخذ بعين الاعتبار اجتهاده السابق من جهة، ومن جهة أخرى فإنه قد أحال تنظيم تقاعد أعضاء البرلمان على المرسومين رقم 616 و 617 الصادرين في 31 أكتوبر 1983 تطبيقا للمادة 65 من القانون 83-12 المؤرخ في 2/7/83 المتعلق بالتقاعد ، وفي هذا التصرف نقل واضح لموضوعات من المجال التشريعي إلى المجال التنظيمي
وحيث أن هذين المرسومين يتعلقان بتقاعد أعضاء القيادة السياسية لجبهة التحرير الوطني والحكومة في ظل دستور 1976 ، أي في ظل مبدأ وحدة السلطة طبقا لدستور 1976 ، فإن المجلس الدستوري لم يلتفت إلى أن تنظيم تقاعد أعضاء البرلمان بهذه الكيفية (أي بعد صدور دستوري 1989 و1996) ، يتضمن مخالفة لمبدأ الفصل بين السلطات ولمبدأ استقلالية السلطة التشريعية في تنظيم نفسها وكذلك حقها في تعديل قانون التقاعد لسنة 1983 بصفته قانونا عاديا ، لهذه الأسباب ، لم يكن هذا الرأي محل اقتناع به من طرف البرلمانيين آنذاك .
أما بخصوص حق التعديل ، فهناك حالة نادرةتتعلق بالرأي رقم 04/98 المؤرخ في 10/02/1998 الذي ألغى المجلس الدستوري بموجبه حق مجلس الأمة في التعديل عند النظر في مطابقة نظامه الداخلي للدستور ، لقد اعتبر المجلس إجراءات تعديل النصوص القانونية الواردة إلى مجلس الأمة بعد المصادقة عليها من طرف الغرفة الأولى ، هي إجراءات مخالفة للدستور ، تأسيسا على أن الدستور قد اسند صلاحية المبادرة بالقوانين إلى رئيس الحكومة والنواب دون سواهم وأن المادة 120 من الدستور قد نصت على إنشاء لجنة متساوية الأعضاء بين الغرفتين تتكفل باقتراح نص يتعلق بالأحكام محل الخلاف بين الغرفتين وبالتالي ليس لمجلس الأمة الحق في التعديل .
إن المبررات التي أسس المجلس الدستوري عليها رأيه لرفض حق مجلس الأمة في التعديل أثارت العديد من التساؤلات منها ، أن المادة 119 من الدستور التي تنص على أن اقتراح القوانين يكون من الحكومة والنواب ، لا علاقة لها بالحق في التعديل ، إذ لا توجد علاقة حتمية بين الأمرين ، فهناك تجارب برلمانية لا تتمتع فيها الغرفة العليا بحق الاقتراح ولكن تمارس حق التعديل بشكل عادي (اثيوبيا ، تايلاندا ، لوزوطو  جزر فيجي وهناك هولندا فقط هي التي لا تقترح ولا تعدل) .
إلى جانب ذلك، فإن الغرف الأولى تكاد لا تمارس حق المبادرة باقتراح القوانين عمليا منذ مدة طويلة وأصبحت الحكومات هي المبادرة بمشاريع القوانين وهذه ظاهرة معروفة ومترسخة في الجزائر بالخصوص .
فإذا قلنا أن من له الحق في الاقتراح يكون له الحق في التعديل ، أليس من المنطقي أن يطبق ذلك بخصوص الغرفة الأولى نفسها ، لماذا وعلى أي أساس يعدل النواب مشاريع الحكومة طالما ليست صادرة عنهم ؟ ولماذا تمارس الحكومة الحق في تعديل اقتراحات النواب ؟ ألا يؤدي هذا المنطق حتما إما إلى المصادقة وإما إلى الرفض ؟ مثلما آل إليه الأمر بالنسبة لمجلس الأمة .
 ربما المبرر الرئيس لموقف المجلس الدستوري ، هو الفقرة الرابعة من المادة 120 المتعلقة باللجنة المتساوية الأعضاء بين الغرفتين التي يرى المجلس الدستوري بأنها الإطار الوحيد الذي يسمح لمجلس الأمة بالتعديل ، لكن حتى هذه الفقرة تطرح جملة من التساؤلات :
* هذه اللجنة ليست تابعة لمجلس الأمة ، بل هي لجنة مشتركة بين الغرفتين ، فإذا كانت تصلح كإطار لتعديل مجلس الأمة ، فهي حتما الإطار الذي يجب أن يعدل من خلاله المجلس الشعبي أيضا ، وهنا تجدر الإشارة إلى أنه لا يوجد نص في الدستور يتكلم عن الحق في التعديل بالنسبة للمجلس الشعبي الوطني .
* إن إجراء التعديل من طرف مجلس الأمة في إطار هذه اللجنة التي يشارك فيها المجلس الشعبي الوطني على قدم المساواة ، يعني أن تعديلات مجلس الأمة المحتملة يجب أن يشارك في وضعها المجلس الشعبي الوطني ، وفي هذا الإطار ألا يكون هناك تقليل من مكانة ومركز مجلس الأمة وجعله في حالة تبعية للمجلس الشعبي الوطني رغم نص الدستوري على مساواة الغرفتين بموجب المادة 98 ؟
* إن أعضاء اللجنة المتساوية الأعضاء الذين يمثلون مجلس الأمة ، ليسوا هم مجلس الأمة ، بل هم ممثلين فقط عن مجلس الأمة وموفدين من طرفه ومجرد مندوبين عنه يعبرون عن وجهة نظر وعن فحوى خلافه مع المجلس الشعبي الوطني ، وبالتالي لا تتمتع اللجنة بحق الحلول محل مجلس الأمة وممارسة صلاحياته التشريعية ، إنهم يذهبون إلى اللجنة المتساوية الأعضاء وهم مزودين برأي مجلس الأمة ومحملين بفحوى الخلاف مع المجلس الشعبي الوطني ، والدفاع عنه لكن كيف يتأتى لمجلس الأمة أن يصيغ هذا الخلاف وأن يضع رأيا مغايرا لرأي المجلس الشعبي الوطني إن لم يعدل قبل ذلك ؟
إضافة إلى ما سبق ذكره ، فإن المادة 120 جاء فيها أن النص التوفيقي الذي تضعه اللجنة المتساوية الأعضاء تعرضه الحكومة " على الغرفتين للمصادقة عليه لا يمكن إدخال أي تعديل عليه إلا بموافقة الحكومة "
فالملاحظ هنا أن عبارة " تعديل واردة بخصوص الغرفتين وليس المجلس الشعبي الوطني فقط " ، ولا شك أن المأزق الذي وقع فيه مجلس الأمة حقيقي وقد انعكس شيئا فشيئا على مركزه ونشاطه في النظام الدستوري ككل .
2 - تضييق مجال الرقابة 
هذا الموضوع كان أيضا محل خلاف بين البرلمان والمجلس الدستوري وقد أثير بمناسبة نظر المجلس لمدى مطابقة القانون الأساسي للنائب لسنة 1989 ثم بمناسبة نظر القانون الأساسي لعضو البرلمان سنة 1999 ، وقد تضمن القانون الأول مادتين (17و33) تعالجان دور النائب في دائرته الانتخابية إذ تخول له المادة 17 أن يتابع فيها " تطور الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وخاصة المسائل المتعلقة بتطبيق القوانين والأنظمة وممارسة الرقابة الشعبية وكذلك المسائل المتعلقة بنشاط مختلف المصالح العمومية "
أما المادة 33 فتتضمن أنه عند نفاذ جدول أعمال المجلس يتفرغ النائب لدائرته الانتخابية و " يجب عليه أن يسهر على تطبيق القوانين والأنظمة كما يتولى ممارسة الرقابة الشعبية وفقا للتشريع المعمول به" ، " في قراره رقم 02/89 السالف الذكر ، اعتبر المجلس أن تخويل النائب " أن يتابع فرديا المسائل المتعلقة بتطبيق القوانين والتنظيمات وممارسة الرقابة الشعبية والمسائل المتعلقة بنشاط مختلف المصالح العمومية " فيها إسناد لمهام تتجاوز صلاحيات النائب وبالتالي مخالفة لمبدأ الفصل بين السلطات .
كما اعتبر المجلس في نفس القرار أن المادة 20 التي تنص على مشاركة النائب في أشغال المجلس الشعبي الولائي والمجالس الشعبية البلدية غير دستورية بسبب أن مهام النائب ذات طابع وطني و " تمارس في إطار اختصاص السلطة التشريعية وحدوده " ( أي رقابة البرلمان للحكومة) أما الرقابة الشعبية فتمارس في إطار لجان التحقيق البرلمانية فقط .
هذا القرار لم يقنع البرلمان تماما ، بدليل أنه أعاد الكرة مرة أخرى في القانون الأساسي لعضو البرلمان المؤرخ في 28/11/2000 ، في المادة 7 منه التي تنص أن عضو البرلمان يمارس الرقابة الشعبية على الحكومة وعلى مختلف الهيئات العمومية .
لكن المجلس الدستوري في رأيه رقم 12/01 ليوم 13/01/2001 اعتبر هذه المادة غير دستورية لأن المادة 99 من الدستوري " حصرت الرقابة على عمل الحكومة دون سواه" كما اعتبر المادة 12 من نفس القانون التي تنص " يمكن لعضو البرلمان الحضور في النشاطات والتظاهرات الرسمية والزيارات العملية والاستطلاعية التي تقام على المستوى المحلي ، وجلسات العمل التي تعقد في هذا الإطار " اعتبرها مخالفة لمبدأ الفصل بين السلطات وبالتالي غير دستورية ، وكذلك الشأن بالنسبة للمادة 13 التي تنص على وجوب " تمكين عضو البرلمان من أداء مهمته البرلمانية بوضع تحت تصرفه المعلومات والوثائق الضرورية التي يحتاجها من طرف السلطات الولائية والبلدية " فأوضح المجلس الدستوري  أن رقابة البرلمان تنصب فقط على الحكومة عن طريق الاستجواب والأسئلة الكتابية والشفاهية ولجان التحقيق فقط .
هذه الاجتهادات لم تقنع أيضا الباحثين لعدة أسباب منها أن المجلس الدستوري قد أعطى " مفهوما واسعا للسلطة التنفيذية حين وسع دائرة هذه الأخيرة لتشمل إضافة إلى الحكومة ، الهيئات المحلية كالولاية والبلدية ومختلف المصالح العمومية " (27) في حين أن مبدأ الفصل بين السلطات يقتصر على السلطات ذات الطبيعة السياسية العليا في الدولة أي الحكومة بمعناها الضيق والبرلمان أساسا .
أما البلديات والولايات التي هي مرافق عمومية ذات طبيعة إدارية إلى جانب المرافق الإدارية الأخرى وكذلك المرافق الاقتصادية والاجتماعية، فليست جزءا من الحكومة (السلطة التنفيذية) إضافة إلى ذلك يبدو أن اجتهاد المجلس الدستوري مبني على تناقض فهو يعتبر من جهة أن رقابة عضو البرلمان يجب أن تنصب على الحكومة فقط ، ومن جهة أخرى يعتبر الهيئات المحلية جزء من السلطة التنفيذية (الحكومة) الأكثر من هذا أن المجلس الدستوري اعتبر أن مراقبة النائب لنشاطات المجلس الشعبي الولائي والمجالس الشعبية البلدية الواقعة في دائرته الانتخابية ، فيها تجاوز لمهمته ذات الطابع الوطني ، وبالتالي مساس بمبدأ الفصل بين السلطات :
* في حين أن الدستور عندما يصف عهدة النائب بكونها وطنية ، فهذا من أجل منع الوكالة الآمرة ومنع إخضاعه إلى ضغوط ناخبيه في دائرته الانتخابية ، وهذا لا يترتب عنه وجوبا منع مشاركته في اجتماعات المجالس الشعبية لدائرته الانتخابية ومراقبة نشاطها .
* إن مثل هذا الاجتهاد كان شديد الأثر على البرلمان برمته وهذا بعزله وبقطع وسائل وطرق استعلام النواب عن شؤون وقضايا دوائرهم الانتخابية لممارسة دورهم الرقابي على نشاط الحكومة وبالتالي إحجامهم عن الاستعمال الأمثل للوسائل المقررة لهم في هذا الصدد مثل الأسئلة الشفاهية والكتابية والاستجواب والتحقيق .
ضف إلى ذلك أن هذا الاجتهاد أدى إلى التقليل من شأن عضو البرلمان في علاقته مع السلطات الإدارية وبالتالي عجزه عن التعبير عن انشغالات ناخبيه ورفعها إلى الجهات المختصة.
يلاحظ إلى جانب ذلك أن المجلس الدستوري اعتبر أن الرقابة الشعبية التي تنص عليها المادة 149 من دستور 1989 (159 في دستور 1996) بقولها : " تضطلع المجالس المنتخبة بوظيفة الرقابة في مدلولها الشعبي " ، اعتبر أن هذه الرقابة هي نفسها التي يمارسها البرلمان بإنشاء لجان تحقيق طبقا للمادة 151 (من دستور 1989 – 161 في دستور 1996) والواقع أن الرقابتين مختلفين من حيث الأساس الدستوري كما رأينا ومن حيث الطبيعة إذ أن الرقابة الشعبية تمارسها كافة المجالس المنتخبة دون استثناء في حين أن إنشاء لجان التحقيق هي رقابة تقتصر على البرلمان.
يضاف إلى ذلك أن المجلس الدستوري قد اجتهد من أجل إرساء مبدأ أساسي وهو أن البرلمان لا يمكنه أن يمارس أية رقابة إلا في إطار الموضوعات المحددة له في مجاله التشريعي ، رغم عدم وجود أية علاقة بين الأمرين ، ذلك أن رقابة نشاط الحكومة يكون أساسا في المجال التنفيذي وكان هذا الاجتهاد بمناسبة نظرة النظام الداخلي للمجلس الشعبي الوطني الأول (1989) الذي  تضمن المادة 66 التي جاء فيها أن المجلس ينشئ لجنة تتلقى لوائح وعرائض المواطنين لدراستها وتوجيهها إلى أجهزة وهياكل الدولة
غير أن المجلس اعتبر أن الاختصاص التشريعي للمجلس الشعبي الوطني محدد بموجب المادة 115 وأن إنشاء هذه اللجنة يتضمن تجاوز للاختصاصات المحـددة في هذه المـادة ، لكـن المـادة 115(122 في دستور 1996) تتعلق بتحديد مجال التشريع وليس الرقابة وأن الأحكام الدستورية الخاصة بالرقابة تتضمنها المواد 124 إلى 128 من الدستور لذا فإن هذا الاجتهاد يفيد بأن الرقابة على الحكومة لا تكون إلا في المجال التشريعي فقط(28) ، الشيء الذي يدل على وجود " خلط بين الوظيفة التشريعية والوظيفة الرقابية العائدتين  معا إلى مجال اختصاص السلطة التشريعية " (29) .
مثل هذه الاجتهادات لم ترض بطبيعة الحال البرلمان الذي ، رغم ذلك ، عبر عن احترامه وتنفيذه لما يصدر عن المجلس الدستوري .

مما سبق، يتضح أن مكانة البرلمان الجزائري في اجتهاد المجلس الدستوري قد تحددت من خلال القرارات والآراء التي تعلقت بالأنظمة الداخلية للغرفتين وقانون النائب والقوانين العضوية ذات العلاقة بالبرلمان.
لم ينظر المجلس الدستوري منذ إنشائه سنة 1989 حتى اليوم في دستورية أي تنظيم صادر عن السلطة التنفيذية أو أي أمر تشريعي بعد الأخذ بها بموجب دستور 1996 لأنه لم يخطر بها من طرف رئيسي غرفتي البرلمان أصلا ، إلى جانب ذلك فقد ارتأى المجلس أن رئيسي الغرفتين ليست لهما الصفة لإخطاره بخصوص تفسير أحكام الدستور إذ أن رئيس الجمهورية هو وحده الذي يملك هذه الصفة باعتباره حامي الدستور (30) .
كل هذه الاعتبارات جعلت نشاط المجلس الدستوري ، في مجال الرقابة على دستورية القوانين، تنصب على نشاط البرلمان فقط ودون سواه ، ربما ذلك ما أدى برئيس المجلس الدستوري السابق ، السيد محمد بجاوي إلى اقتراح تمديد الإخطار إلى نسبة معينة من أعضاء البرلمان لأن الوضعية الحالية قد " تعيق بقوة تقدم المجلس الدستوري " و " تقلل من سرعة تعميق الديمقراطية التعددية " (31) ، علما أن التوترات أو الخلافات بين البرلمان والمجلس الدستوري لا سبيل لحلها إلا بتعديل الدستور .
من الطبيعي أن كل عمل قانوني مهما كان راقيا بتعرض للخلاف السياسي وللنقد الفقهي  لذا فإن علاقة المجلس الدستوري الجزائري بالبرلمان كانت عموما جيدة ولا ننسى أن الجزائر عاشت منذ 1989 مرحلة خطيرة جدا وصفت بالعشرية السوداء ، وأن المجلس الدستوري أدى دورا مهما في تجاوزها وفي تحقيق استقرار الجزائر ، إلى جانب أن أعماله تميزت بالدقة والمستوى التقني العالي ، مما يجعله من بين جهات الرقابية الدستورية التي تحتل الصدارة في العالم ، رغم أن 20 سنة من عمره تعتبر مدة قصيرة جدا في حياة مثل هذه المؤسسات .

                                                             

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق