الجمعة، 8 يونيو 2018

تعزيز الدور الرقابي والتشريعي والتمثيلي للبرلمان الجزائري في التعديل الدستوري لسنة 2016


تعزيز الدور الرقابي والتشريعي والتمثيلي للبرلمان الجزائري

في التعديل الدستوري لسنة 2016


بقلم: الأستاذ الدكتور عمار عباس؛

أستاذ باحث في القانون الدستوري والنظم السياسية؛


"تستجيب مراجعة الدستور للتحديات الراهنة كما أنها تمهد الطريق للأجيال الصاعدة لصالح جزائر تزداد سنة بعد سنة تجدرا في تاريخها و قيمها وحرصا على استقلالها وسيادتها الوطنيين وعزما على تبوء مكانتها في محفل الأمم بفضل وحدة داخلية تعززها الديمقراطية و بفضل الاستثمار الفعلي لكل الطاقات البشرية والاقتصادية.[1]"
ملخص
بناء على الحصيلة المنبثقة عن الممارسة البرلمانية في الجزائر، انطلاقا من 1989، والتي ميزها ضعف الأداء البرلماني  في شقه الرقابي والتشريعي، والناجم في كثير من الأحيان عن القيود التي فرضها المؤسس الدستوري على وسائل الرقابة البرلمانية، وعلى اقتراح القوانين، بهدف عقلنة عمل البرلمان في مواجهة السلطة التنفيذية، فقد شكل ذلك دافعا قويا للمؤسس الدستوري الجزائري ، لإدخال تحسينات على النص الدستوري لسنة 1996، بمناسبة التعديلات الدستورية لسنة 2016 بغرض تفعيل الأدوار التمثيلية والرقابية والتشريعية للبرلمان.

الكلمات المفتاحية: الجزائر، البرلمان، مجلس الأمة، المجلس الشعبي الوطني، الرقابة البرلمانية، التشريع، عضو البرلمان.

مقدمة:
يعتبر البرلمان في الأنظمة السياسية المعاصرة على اختلاف طبيعتها، الإطار الذي يمارس فيه الشعب مظاهر سيادته، من خلال المهام المنوط به ممارستها وعلى رأسها إعداد التشريع والمصادقة عليه، وممارسة الرقابة على عمل الجهاز التنفيذي.
ضمن هذا الإطار خول الدستور الجزائري لسنة 1996 للبرلمان مهمة التشريع والرقابة على عمل الحكومة، ولو بدرجات متفاوتة بين غرفتيه؛ غير أن الواقع أثبت ضعف الأداء التشريعي والرقابي للبرلمان، ويتجلى ذلك في ندرة المبادرة باقتراح القوانين، وقلة استخدام وسائل الرقابة البرلمانية المتاحة. إن العلاقة القائمة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في النظام السياسي الجزائري، تبين بجلاء تفوق  السلطة التنفيذية، الأمر الذي لم يسمح للسلطة التشريعية  بممارسة اختصاصها التشريعي والرقابي بكل سيادة.
         هذا الواقع وإن كان يبدو طبيعيا في ظل الحزب الواحد، على اعتبار أن السلطتين التنفيذية والتشريعية كانتا تابعتين له، لكن الأمر غير مستساغ في ظل النظام التعددي الذي تبناه دستور 1989، والذي كان يفترض إمكانية تعايش أغلبيات متباينة البرامج على مستوى السلطتين التنفيذية والتشريعية، وحتى وإن لم يحدث ذلك، فوجود معارضة داخل البرلمان كان من شأنه تفعيل الأدوات التشريعية والرقابية الممنوحة للبرلمانيين.
لقد كشفت الممارسة البرلمانية في الجزائر، انطلاقا من سنة 1989، ضعف الأداء البرلماني خاصة في شقه الرقابي، والناجم في كثير من الأحيان عن القيود التي فرضها المؤسس الدستوري على وسائل الرقابة البرلمانية، بغية عقلنتها.
 هذا الواقع كان دفعا للمؤسس الدستوري الجزائري  من خلال التعديلات الدستورية لسنة 2016، لإدخال تحسينات على النص الدستوري لسنة 1996، بغرض تفعيل الأدوار التمثيلية والرقابية والتشريعية للبرلمان، ولعل من بين أهم الترتيبات التي اتخذها المؤسس الدستوري لتحقيق هذا الغرض، هو إقراره لحقوق جديدة للأحزاب السياسية وترقية مكانة المعارضة في النظام السياسي الجزائري (أولا)، إضافة إلى ضبطه للدور التشريعي والرقابي والتمثيلي للبرلمان (ثانيا).

أولا: دسترة حقوق الأحزاب السياسية وترقية مكانة المعارضة

أكدت ديباجة الدستور الجزائري المعدل سنة 2016 على أن الدستور"يحمي مبدأ حرية اختيار الشعب، ويضفي المشروعية على ممارسة السلطات، ويكرّس التداول الديمقراطي عن طريق انتخابات حرّة ونزيهة"[2]، والهدف من وراء ذلك دون شك هو الاعتراف بحق المعارضة في الوصول إلى سدة الحكم وعدم احتكار الأغلبية الحاكمة لذلك، لأن جوهر العمل الحزبي بالإضافة إلى مساهمته في التنشئة والمشاركة السياسية، يستهدف بالأساس تولي السلطة، بغية تطبيق برنامج الحزب الذي يتجمع حوله مناضلوه والمتعاطفين معه؛ على أن يكون ذلك بالعمل السلمي والآليات الديمقراطية، وعلى رأسها العملية الانتخابية.
نظرا لتتمتع الديباجة بنفس القوة القانونية لمواد الدستور[3]،  فإن أي عمل مستقبلا يستهدف عرقلة التداول الديمقراطي والسلمي على السلطة  يعتبر مخالفا للدستور، تجسيدا لهذا المبدأ، ونظرا لترابط أحكام الدستور مع بعضها البعض، حدد المؤسس الدستوري تجديد العهدة الرئاسية في مرة واحدة فقط[4]، على غرار ما هو معمول به في كثير من الدول الديمقراطية، كالولايات المتحدة وفرنسا، كما أقر حقوقا للأحزاب السياسية بصفة عامة (أ)، ولتلك المشكلة لقطب المعارضة في البرلمان بصفة خاصة (ب).

1.    حقوق الأحزاب السياسية

كانت مقترحات التعديل الدستوري التي عرضتها رئاسة الجمهورية في 2014 تتضمن  تعديلا للمادة 42 من دستور 1996 تحدد بموجبه التزامات وواجبات أخرى للأحزاب السياسية بموجب قانون عضوي[5]، وقد لاحظنا حينها، أنه بقدر ما يعتبر القانون العضوي ضمانة لحماية حرية تشكيل الأحزاب السياسية ونشاطها بالنظر إلى الشروط الواجب توافرها في هذا النوع من القوانين سواء ما تعلق منه بالنصاب المطلوب للتصويت عليه في غرفتي البرلمان أو خضوعه لرقابة المطابقة للدستور من قبل المجلس الدستوري[6]، إلا أنه من الأجدر إضافة لمضمون هذا القانون تحديد حقوق الأحزاب السياسية، زيادة على التزاماتها وواجباتها، حتى لا يتحول هذا القانون إلى معرقل للنشاط الحزبي، وبالتالي  إفراغ التعددية الحزبية من محتواها[7]، وبالفعل جاء التعديل الدستوري لسنة 2016 متضمنا لهذا الاقتراح بتأكيده على استفادة الأحزاب السياسية المعتمدة دون أي تمييز، في ظل احترام أحكام المادة  52 من الدستور، من الحقوق التالية على الخصوص:
ü    حرية الرأي والتعبير والاجتماع؛
ü    حيز زمني في وسائل الإعلام العمومية يتناسب مع تمثليها على المستوى الوطني؛
ü    تمويل عمومي، عند الاقتضاء، يرتبط بتمثيلها في البرلمان كما يحدده القانون؛
ü    ممارسة السلطة على الصعيدين المحلي والوطني من خلال التداول الديمقراطي وفي إطار أحكام الدستور، على  أن يحدد القانون كيفيات تطبيق هذا الحكم[8].

2.    تقوية مكانة المعارضة

تحظى المعارضة بمكانة هامة، في كل الأنظمة الديمقراطية، التي تقوم على مبدأ التداول السلمي على السلطة، باعتبارها مرشحة للوصول إلى سدة الحكم لإدارة السياسة العامة للدولة، ومن هذا المنطلق تعطى لها حقوق تمكنها من إيصال صوتها للهيئة الناخبة ونقد سياسة الأغلبية الحاكمة ومراقبتها، وطرح بديل لها.
         في هذا الإطار استهدف التعديل الدستوري لسنة 2016، ترقية مكانة المعارضة من خلال تمكينها من بعض الحقوق التي تسمح لها بأداء دورها على أكمل وجه، وتسمح لها بالمشاركة الفعلية في الأشغال البرلمانية وفي الحياة السياسية، لا سيما منها:
ü    حرية الرأي والتعبير والاجتماع؛
ü    الاستفادة من الإعانات المالية الممنوحة للمنتخبين في البرلمان؛
ü    المشاركة الفعلية في الأشغال التشريعية؛
ü    المشاركة الفعلية في مراقبة عمل الحكومة؛
ü    تمثيل مناسب في أجهزة غرفتي البرلمان؛
ü    المشاركة في الدبلوماسية البرلمانية؛
ü    تخصيص كل غرفة من غرفتي البرلمان جلسة شهرية لمناقشة جدول أعمال تقدمه مجموعة أو مجموعات برلمانية من المعارضة.
وأحال المؤسس الدستوري على النظام الداخلي لكل غرفة من غرفتي البرلمان لتوضيح كيفيات تطبيق هذه النص، علما أن حقوق المعارضة في الأنظمة السياسية المقارنة عادة ما تحدد بقانون[9].
         يضاف إلى ذلك تمكين المؤسس الدستوري أعضاء البرلمان (50 نائبا أو 30 عضوا في مجلس الأمة) من حق إخطار المجلس الدستوري، وهي آلية من شأنها أن تسمح للمعارضة - متى استطاعت جمع هذا العدد من التوقيعات - من الطعن في القوانين والتنظيمات والمعاهدات التي ترى بأنها مخالفة للدستور أمام المجلس الدستوري[10]، ويعتبر هذا الإجراء"ضمان لممارسة نظيفة للديمقراطية التعددية. إن هذه الممارسة تمثل فعلا أداة شرعية في أيدي المعارضة، تسمح لها بالتعبير الحر في نقاش هادئ رصين، وبالتالي تساهم في تهدئة العلاقات بين الأغلبية والمعارضة... بدلا من التعبير عن الغضب بالتجاوز اللفظي أو استعمال العنف"[11].
وقد سبق لهذه الآلية الدستورية أن أثبتت نجاعتها في ظل الجمهورية الفرنسية الخامسة، بعد تمكين أعضاء البرلمان من إخطار المجلس الدستوري بمقتضى التعديل الدستوري لسنة 1974، حتى أصبحت النسبة الغالبة من الإخطارات الموجهة للمجلس الدستوري هي إخطارات أعضاء البرلمان[12].

ثانيا:  تعزيز الدور التشريعي والرقابي والتمثيلي لغرفتي البرلمان

         من بين أهم الترتيبات التي اتخذها المؤسس الدستوري لتقوية السلطة التشريعية، تلك المنصبة على ترقية الدور التشريعي (1) والرقابي (2) والتمثيلي (3) للبرلمان.

1.    تعزيز السيادة التشريعية للبرلمان

في إطار التوجه نحو تقوية الدور التشريعي للبرلمان، صوب المؤسس الدستوري بمقتضى التعديل الدستوري لسنة 2016، التناقض الذي كان موجودا في دستور 1996 والذي كان أحد مظاهره، حرمان أعضاء مجلس الأمة من اقتراح القوانين أو إدخال تعديلات عليها، في الوقت الذي كان بإمكانهم القيام بذلك على قدم المساواة مع نواب المجلس الشعبي الوطني من خلال اللجنة متساوية الأعضاء، بعد التوافق على الأحكام المختلف حولها بين الغرفتين[13].
 علما أن حق اقتراح القوانين  المخول لأعضاء مجلس الأمة في التعديل الدستوري لسنة 2016، حدد على سبيل الحصر، وذلك في المجالات المرتبطة بالتنظيم المحلي وتهيئة الإقليم والتقسيم الإداري[14]، بالنظر إلى  تركيبة مجلس الأمة التي يتشكل ثلثاها من المنتخبين المحليين.
من جانب آخر قلص المؤسس الدستوري من سلطة رئيس الجمهورية في التشريع عن طريق الأوامر، بحصرها في حالات ضيقة، بتحديدها في المسائل العاجلة، وفي حالة شغور اﻟﻤﺠلس الشّعبيّ الوطنيّ ، أو  خلال  العطل  البرلمانية، على أن تتّخذ في مجلس الوزراء  بعد رأي مجلس  الدولة، وأن يعرضها على كلّ غرفة من البرلمان في أوّل دورة له لتوافق عليها، إذ تعد لاغية الأوامر الّتي لا يوافق عليها البرلمان، كما يمكن لرئيس الجمهوريّة زيادة على ذلك، أن يشرّع بأوامر في الحالة الاستثنائيّة[15]، المذكورة في المادّة  107من الدّستور[16].
من جانب آخر، أعاد المؤسس الدستوري النظر في النصاب الواجب توافره لتصويت مجلس الأمة على القوانين، حيث أصبح يصوت على القوانين العادية بأغلبية أعضاءه الحاضرين، وبالأغلبية المطلقة لأعضائه على القوانين العضوية[17]؛ بدلا من ثلاثة أرباع التي كانت مقررة في دستور 1996، وهو ما كان يشكل إجحافا للمجلس الشعبي الوطني، من خلال إمكانية تعطيل القوانين التي يصوت عليها هذا الأخير، بمجرد الاعتراض عليها من ربع أعضاء مجلس الأمة + 1، الأمر الذي كان من شأنه أن يفضي إلى تعطيل البرلمان، رغم أن أعضاء مجلس الأمة إما معينون من قبل رئيس الجمهورية  أو منتخبون بطريق غير مباشر[18]، مقارنة بالشرعية الانتخابية التي يحوزها أعضاء المجلس الشعبي الوطني المنتخبون عن طريق الاقتراع العام والمباشر[19].

ب‌.   تفعيل الدور الرقابي للبرلمان

يلاحظ بجلاء توجه المؤسس الدستوري الجزائري من خلال التعديل الدستوري لسنة 2016، لترقية الدور الرقابي للبرلمان، سواء بتفعيل وسائل الرقابة الموجودة، أو عبر إدراج آليات رقابية جديدة.
         تفعيلا لوسائل الرقابة القائمة، تم تجلية اللبس الذي كان يكتنف تقديم الحكومة لحصيلتها السنوية أمام المجلس الشعبي الوطني خاصة في ظل دستور 1996، حيث ترسخ اعتقاد وقتها لدى بعض رؤساء الحكومات، مفاده أنها غير ملزمة بتقديم البيان السنوي لسياستها العامة أمام النواب[20]، رغم نص الدستور على ذلك صراحة[21]، الأمر الذي أدى إلى تخلي كثير من الحكومات عن هذا الالتزام الدستوري[22]، لذلك أصبح النص الجديد يلزم الحكومة بكل وضوح، على تقديم البيان السنوي لسياستها العامة أمام المجلس الشعبي الوطني، حيث جاءت الصياغة الجديدة على النحو التالي"يجب  على  الحكومة  أن  تقدم سنويا  إلى  اﻟﻤﺠلس  الشّعبيّ الوطنيّ بيانا عن السّياسة العامّة"[23].
وفي نفس السياق، تم دسترة المواعيد المحددة لرد أعضاء الحكومة على الأسئلة الشفوية والكتابية لأعضاء البرلمان، بعد أن كان منصوص عليها في النظامين الداخليين لغرفتي البرلمان، وفي القانون العضوي المنظم للعلاقة بينهما وبين الحكومة، حيث حدد هذا الأجل بثلاثين (30) يوما، وهي نفس المدة المطلوبة لرد الحكومة على الاستجوابات الموجهة لها من قبل أعضاء البرلمان[24].
 غير أن الجديد الذي جاء به التعديل الدستوري لسنة 2016 فيما يخص الأسئلة البرلمانية، يتمثل في ضرورة تخصيص كل غرفة لجلسة نصف شهرية لعرض الأسئلة الشفوية لأعضاء البرلمان والرد عليها من قبل أعضاء الحكومة، الأمر الذي سيفعل من هذه الوسيلة الرقابية ويحول دون شك، من التهرب من الإجابة عليها بحجة ضيق الوقت.
أما في ما يتعلق بالآليات الرقابية التي تم استحداثها، فزيادة على إمكانية إخطار المجلس الدستوري من قبل أعضاء البرلمان[25] كما سبق ذكره، تم التنصيص على تخصيص كل غرفة من غرفتي البرلمان لجلسة شهرية، لمناقشة جدول أعمال تقترحه المعارضة[26]، وهو إجراء من شأنه أن يفتح لانشغالات المعارضة وانتقاداتها للحكومة مجالا لتطرح في غرفتي البرلمان مرة كل شهر على الأقل، وستدفع بالحكومة دون شك، في كل جلسة من هذه الجلسات، لتبرير سياساتها والرد على الانتقادات الموجهة إليها، لأن أهمية الرقابة البرلمانية على عمل السلطة التنفيذية لا تقاس فعاليتها فقط بتقرير المسؤولية السياسية للحكومة، ولكن كذلك بإحراجها أمام الرأي العام[27].
 من وسائل الرقابية المستحدثة كذلك، تمكين اللجان الدائمة في غرفتي البرلمان من تشكيل بعثة إعلامية مؤقتة حول موضوع محدد، بعد أن كان الأمر مقتصرا في دستور 1996 على لجان التحقيق البرلمانية، وفي القضايا ذات الأهمية الوطنية فقط[28]، وهو ما كان يشكل عائقا أمام أعضاء البرلمان للتحقيق في باقي القضايا، خاصة تلك التي تثار على المستوى المحلي، علما أنهم حاولوا سنة 2000 من خلال القانون الأساسي لعضو البرلمان، توسيع رقابتهم على عمل الحكومة إلى مختلف الهيئات العمومية، باعتبارها امتدادا للسلطة التنفيذية[29]، إلا أن المجلس الدستوري ارتأى وقتها عدم دستورية هذا المسعى، لأنه اختصاص لم يمنحه الدستور لعضو البرلمان، معتبرا أن المادة 99 من دستور 1996 حَصَرَتْ  الرقابة على عمل الحكومة دون سواه، واعتبارا بالنتيجة، أن المشرّع حينما  وسَّعَ  نطاق الرقابة إلى الهيئات العمومية يكون قد خالف أحكام هذه المادة[30].
وبالنظر إلى سيطرة الأغلبية على هياكل غرفتي البرلمان، الأمر الذي من شأنه أن يحول دون مشاركة المعارضة في بعض أنشطة البرلمان الهامة منها، فقد مكن المؤسس الدستوري المعارضة بنص صريح، المشاركة في الدبلوماسية البرلمانية[31]، والتي كانت سابقا عبارة عن امتيازات لا يحظى بها سوى برلمانيو الأغلبية، وحتى وإن شاركت فيها المعارضة فيقتصر ذلك على بعض البلدان الإفريقية والعربية، والتي ليس لها أي تأثير على الساحة الدولية.

ج. تعزيز الدور التمثيلي للبرلمان

 تضمن التعديل الدستوري لسنة 2016، تدابير من شأنها تعزيز وتحصين الدور التمثيلي لأعضاء البرلمان، انطلاقا من أن واجب البرلمان في إطار اختصاصاته الدّستوريّة أن يبقى وفيّا لثقة الشّعب ويظلّ يتحسّس تطلّعاته[32].
إضافة إلى تحديد المشرع لحالات التنافي مع العهدة البرلمانية بقانون عضوي في إطار الإصلاحات التشريعية لسنة 2012[33]، بناء على إحالة من المؤسس الدستوري وفقا للتعديل الدستوري لسنة 2008[34]، تم إلزام عضو البرلمان بنص دستوري صريح، بالتفرغ كليا لممارسة عهدته[35]، وحضور الجلسات العامة وأشغال اللجان تحت طائلة العقوبات(كالخصم من التعويضات المالية)، والتي يحددها النظامان الداخليان لغرفتي البرلمان[36].
زيادة على كل ذلك، حاول المؤسس الدستوري معالجة ظاهرة التجوال السياسي، بنصه على تجريد عضو البرلمان المنتخب من عهدته الانتخابية بقوة القانون في حالة تغييره الطوعي للانتماء  السياسي الذي انتخب على أساسه، ويتم استخلافه وفقا للإجراءات التي يحددها القانون العضوي للانتخابات[37]، بعد أن يعلن المجلس الدستوري شغور المقعد على إثر إخطاره من قبل رئيس الغرفة المعنية؛ أما في حالة استقالة عضو البرلمان من الحزب الذي انتخب ضمن قوائمه أو  أبعد  منه، يمنع من الانتماء لحزب آخر؛ ولو أن خيار الاستقالة في رأينا أو الدفع للإبعاد، سيفتح مسلكا جديدا لمواصلة التجوال السياسي؛ مادام العضو المستقيل من  حزبه ، يبقى  محتفظا بعهدته  بصفته  عضو  غير  مُنتم[38] . 

خاتمة

إذا كانت فعالية الرقابة البرلمانية لا تقاس بإسقاط الحكومات، على اعتبار أن دور الأغلبية البرلمانية هو مساندة الحكومة على تطبيق برنامجها، وذلك بالتصويت على مشاريع القوانين التي تتقدم بها، فإن دور المعارضة هو استخدام مختلف الوسائل الرقابية التي يتيحها لها الدستور، لدفع الحكومة لتبرير سياساتها، حتى وإن لم تتمكن من تقرير مسئوليتها السياسية.
 لعل ما يحدث في النظام السياسي  البريطاني، وما يتميز به من استقرار حكومي خير دليل على ذلك، وحتى الانتخابات التشريعية المسبقة التي كثيرا ما تنظم قبل انتهاء عهدة مجلس العموم، تكون عبارة عن استراتيحية، تلجأ لها الحكومة  القائمة، بحل مجلس العموم المساند لها، وتجديده في الوقت المناسب الذي يسمح بجلب أغلبية جديدة تواصل دعمها لفترة أطول، وتفاديا لإجراء الانتخابات التشريعية  في موعدها، والذي قد يتصادف مع تراجع شعبية الحكومة نتيجة لأزمات ظرفية قد تواجهها البلاد.
نفس الوضع يمكن ملاحظته في ظل النظام السياسي للجمهورية الفرنسية الخامسة، الذي تعجز فيه المعارضة على  إسقاط الحكومات المستندة على أغلبيات مريحة، والدليل على ذلك أن إجراء ملتمس الرقابة، غالبا ما يفشل  نواب المعارضة في تحريكه، وحتى وإن نجحوا في ذلك، فمن الصعب جمع النصاب المطلوب للتصويت عليه،  إذ لم يحدث إلا مرة واحدة منذ 1958 أن سقطت حكومة بالتصويت على ملتمس رقابة.
         لذلك كله، ونظرا للضعف الملاحظ على أداء البرلمان الجزائري خصوصا منذ 2002 ليومنا هذا، مقارنة بأول فترة تشريعية تعددية التي امتدت من 1997 إلى 2002، أو حتى بالمرحلة التي أعقبت أحداث أكتوبر 1988 والتي كان فيها حزب جبهة التحرير الوطني يسيطر على المجلس الشعبي الوطني، والتي عرفت نشاطا رقابيا مميزا للنواب، فإن  تفعيل الدور الرقابي للبرلمان الجزائري  بغرفتيه، والذي كان من بين مقاصد التعديل الدستوري لسنة 2016، يبقى ملقى على عاتق أعضاء البرلمان من خلال استغلال كل ما أتاحه الدستور لهم من وسائل رقابية، وعلى حد قول احد أعضاء مجلس الأمة السابقين، فإن" الوسائل التي منحها الدستور للبرلمان قصد مراقبة عمل الحكومة كافية، فعلينا كبرلمانيين أن نستعمل هذه الوسائل بكل حرية ومسئولية قصد السماح لكل مؤسسة بالقيام بدورها"[39].
غير أن الملاحظ أن غرفتي البرلمان لم تنتهيا بعد من تنزيل الأحكام الدستورية الجديدة في النظامين الداخليين لهما، رغم مرور ما يقارب السنة على المصادقة على التعديل الدستوري الجديد، ومضي ستة أشهر على آخر انتخابات تشريعية، الأمر الذي لا يسمح للمتابع للحياة البرلمانية في الجزائر، أن يقيم مدى نجاعة هذه التعديلات، وتأثيرها على العمل البرلماني.
علما أن بعض الأحكام الدستورية الجديدة حدد لها المؤسس الدستوري أجلا لتنزيلها على غرار دفع المتقاضين بعدم دستورية الأحكام التشريعية التي يتوقف عليها مآل النزاع، ويرون أنها  تنتهك الحقوق والحريات التي يضمنها الدستور[40]، حيث حدد هذا الأجل بثلاث سنوات قبل دخول هذا الحق حيز النفاذ[41]، وفي هذا السياق، أعلن رئيس الجمهورية بمناسبة مصادقة البرلمان على التعديل الدستوري الجديد، على تشكيل خلية تكلف بمتابعة التجسيد الشامل والدقيق لهذه الأحكام[42].






[1] - من كلمة رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة في اجتماع مجلس الوزراء  بعقب موافقته على المشروع التمهيدي للقانون المتعلق بمراجعة الدستور  11 جانفي 2016.
[2]- المقطع العاشر من ديباجة دستور 1996 المعدل في 2016. 
[3] - تضمنت الديباجة في نهايتها العبارة التالية" تشكل هذه الديباجة جزءاً لا يتجزأ من هذا الدستور ".
[4] -المادة  88 من دستور 1996 المعدل في 2016.
[5]-نصت المادة 10 من مشروع التعديل الدستوري المقترح سنة 2014 على أنه"تعدل المادة 42 من الدستور، وتحرر كالأتي:....في فقرته الأخيرة تحدد التزامات وواجبات أخرى بموجب قانون عضوي".
[6]-المادة 141 من دستور 1996 المعدل سنة 2016.
[7]-انظر عمار عباس، تأملات حول مسار الإصلاحات الدستورية في الجزائر، دار الخلدونية، 2015.
[8]-المادة 53 من  دستور 1996 المعدل سنة 2016.
[9]-المادة 114 من دستور 1996 المعدل سنة 2016.
[10]-المادة 187 من دستور 1996 المعدل سنة 2016.
[11]- من نص رسالة رئيس الجمهورية لأعضاء البرلمان بعد المصادقة على مشروع التعديل الدستوري يوم الأحد 07 فبراير 2017.
[12] -cf , Benetti Julie, « La saisine parlementaire (au titre de l'article 61 de la Constitution) », Les Nouveaux Cahiers du Conseil constitutionnel, 2013/1 N° 38, p. 85-98 ;  « le Conseil constitutionnel est né une seconde fois en 1974 », comme l’a affirmé son ancien président, Pierre Mazeaud , 30 ans de saisine parlementaire du Conseil constitutionnel, D. Maus et A. Roux (dir.), Colloque et publication en hommage à Louis Favoreu, PUAM-Economica, Coll. Droit public positif, 2006, p. 5.
[13] -جاء في المادة 120 من دستور 1996 على أنه"في حالة حدوث خلاف بين الغرفتين، تجتمع، بطلب من الوزير الأوّل ، لجنة متساوية الأعضاء تتكون من أعضاء كلتا الغرفتين من أجل اقتراح نص يتعلق بالأحكام محلّ الخلاف. تعرض الحكومة هذا النص على الغرفتين للمصادقة عليه، ولا يمكن إدخال أي تعديل عليه إلاّ بموافقة الحكومة. وفي حالة استمرار الخلاف يسحب النص".
[14]-أصبحت المادة 136 من دستور 1996 المعدل سنة 2016 تنص على أنه"لكلّ من الوزير  الأول  والنّوّاب  وأعضاء  مجلس  الأمة حقّ المبادرة بالقانون . تكون اقتراحات القانون قابلة للمناقشة إذا قدّمها عشرون ( 20 ) نائبا  أو  عشرون  (20) عضوا  في مجلس  الأمة  في  المسائل  المنصوص عليها  في  المادة  137  أدناه" .يتعلق الأمر بمشاريع  القوانين  المرتبطة بالتنظيم  المحلي  وتهيئة  الإقليم  والتقسيم  الإقليمي.
[15] -المادة 142 من دستور 1996 المعدل سنة 2016.
[16]-تنص المادة 107 من دستور 1996 المعدل سنة 2016 على أنه"يقرّر رئيس الجمهوريّة الحالة الاستثنائيّة إذا كانت البلاد مهدّدة بخطر داهم يوشك أن يصيب مؤسّساتها الدّستوريّة أو استقلالها أو سلامة ترابها(...)تخوّل الحالة الاستثنائيّة رئيس الجمهوريّة أن يتّخذ الإجراءات الاستثنائيّة الّتي تستوجبها المحافظة على استقلال الأمّة والمؤسّسات الدّستوريّة في الجمهوريّة" .
[17]-جاء في الفقرة الرابعة من المادة 138 من دستور 1996 بعد تعديله سنة 2016 على أنه"يصادق  مجلس  الأمة  على  النص الذي  صوّت  عليه  اﻟﻤﺠلس  الشعبي  الوطني  بأغلبية أعضائه  الحاضرين  بالنسبة لمشاريع  القوانين  العادية  أو  بالأغلبية المطلقة  بالنسبة  لمشاريع  القوانين العضوية ".
[18]-أنظر الفقرتين الثانية  والثالثة  من المادة  118 من دستور 1996 بعد تعديله سنة 2016.
[19] -المادة  118 فقرة أولى من  دستور 1996 بعد تعديله سنة 2016.
[20] -حيث أنهى رئيس الجمهورية  مهام حكومة السيد أحمد أويحي في 3 سبتمبر 2012 دون أن تقدم البيان السنوي عن سياستها العامة، حيث كان آخر بيان سنوي قدمته الحكومة في نهاية  أكتوبر 2010، كما لم تقدم الحكومات التي تلتها برئاسة السيد عيد المالك سلال بيانها السنوي.
[21]-كانت المادة 84 من دستور 1996 تنص على أنه"تقدّم الحكومة سنويا إلى المجلس الشعبي الوطني بيانا عن السياسة العامة".
[22] - أنظر حول هذا الموضوع، عمار عباس، بيان  السياسة العامة للحكومة  بين الإلزام الدستوري والتقدير السياسي، الملتقى الدولي الأول حول تنظيم السلطات في الدساتير العربية، يومي 05 و 06 نوفمبر 2013، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة عباس لغرور، خنشلة.
[23] -المادة 98 من دستور 1996 المعدل سنة 2016.
[24] -أنظر المادتين 151 و 152 من دستور 1996 المعدل سنة 2016.
[25] - الفقرة الثانية من المادة  187 من دستور 1996 المعدل سنة 2016.
[26] -الفقرة الثانية من المادة 114 من دستور 1996 المعدل سنة 2016.
[27] -أنظر حول الموضوع عمار عباس، الرقابة البرلمانية على عمل الحكومة في النظام الدستوري الجزائري، دار الخلدونية، الجزائر، 2007، خاصة القسم الأول منه.
[28]-المادة 161 من دستور 1996.
[29] -كانت المادة 7  التي تضمنها مشروع القانون الأساسي لعضو البرلمان سنة 2000 تنص على أنه" يمارس عضو البرلمان الرّقابة الشعبيّة على عمل الحكومة ومدى تنفيذ برنامجها وعلى مختلف الهيئات العمومية ، من خلال الإجراءات المحدّدة في الدستور والقانون العضوي الذي يحدّد تنظيم المجلس الشّعبي الوطنيّ ومجلس الأمّة وعملهما وكذا العلاقات الوظيفية بينهما وبين الحكومة".
[30] -أنظر رأي رقم 12/ر. ق / م د /01 مؤرخ  في 13 يناير سنة 2001 يتعلق بالرقابة على دستورية القانون المتضمن القانون الأساسي لعضو البرلمان.
[31]-أنظر المادة 114 من دستور 1996 المعدل سنة 2016.
[32]- المادة 115 من دستور 1996 المعدل سنة 2016.
[33]-أنظر القانون العضوي رقم 12-02 المؤرخ في 12 جانفي 2012، المحدد لحالات التنافي مع العهدة البرلمانية، الج ر ج ج، رقم 1 المؤرخة في 14 جانفي 2012، ص 41؛ عمار عباس، توسيع حالات التنافي مع العهدة البرلمانية،  محاولة لتحقيق الفصل العضوي بين السلطات، مجلة المجلس الدستوري الجزائري، العدد الخامس، 2015.  
[34] -نصت المادة 103 من دستور 1996 على أنه "تحدّد كيفيات انتخاب النواب وكيفيات انتخاب أعضاء مجلس الأمة  أو تعيينهم، وشروط قابليتهم للانتخاب، ونظام عدم قابليتهم للانتخاب، وحالات التنافي، بموجب قانون عضوي".
[35] -الفقرة الأولى من  المادة 116 من دستور 1996 المعدل سنة 2016.
[36] - جاء في الفقرة الثانية من المادة 116 من دستور 1996 المعدل سنة 2016 على أنه"ينص النظامان الداخليان للمجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة على أحكام تتعلق بوجوب المشاركة الفعلية لأعضائهما في أشغال اللجان وفي الجلسات العامة تحت طائلة العقوبات المطبقة في حالة الغياب".
[37] - أنظر المادتين 105 و 106 من القانون العضوي رقم 16-10 المؤرخ في 25 أوت 2016 المتعلق بنظام الانتخابات، الجريدة الرسمية ج ج  د ش،  رقم  50 المؤرخة في  28 أوت 2016، ص 9-37.
[38] -المادة 117 من دستور 1996 المعدل سنة 2016.
[39]- مقران آيت العربي، مجلس الأمة في عامه الأول...، مرجع سبق ذكره، ص 4.
[40]-المادة  188 من دستور الجزائر لسنة 2016.
[41]- جاء في المادة 215 من دستور الجزائر لسنة 2016 على أنه"ريثما يتم توفير جميع الظروف اللاّزمة لتنفيذ أحكام المادة 166 مكرر من الدستور وعملاً على ضمان التكفل الفعلي بذلك، فإن الآلية التي نصّت عليها هذه المادة سوف توضع بعد أجل ثلاث (3) سنوات من بداية سريان هذه الأحكام".
[42]-"بالنظر إلى أهمية الأحكام الجديدة المدرجة في هذا التعديل، لاسيما تلك التي سيتم تنفيذها في مراحل مستقبلية، فقد قررت بصفتي حامي الدستور استحداث خلية متابعة لدى رئيس الجمهورية، تكون مهمتها الأساسية السهر بعناية على التجسيد الشامل والدقيق لهذه الأحكام في الآجال المحددة، وإبلاغي بذلك بشكل منتظم"من نص رسالة رئيس الجمهورية لأعضاء البرلمان بعد المصادقة على مشروع التعديل الدستوري يوم الأحد 07 فبراير 2017.