الاثنين، 19 يونيو، 2017

ى

حول الانتخابات التشريعية 2017

مشاركتي في برنامج حوار الساعة الذي تبثه القناة الجزائرية الثالثة، وكان موضوع الحصة حول أولويات المجلس الشعبي الوطني بعد انتخابات 4 ماي 2017.

شارك في الحصة الى جانبي كل من الأستاذين محمد فادن عضو المجلس الدستوري سابق، ولزهر ماروك أستاذ العلوم السياسية.




لمشاهدة  الحلقة كاملة 
انقر هنا




دراسات دستورية في اسناد السلطة وممارستها / كناب جديد


 صدر لي أخيرا عن دار النشر الجامعي الجديد بتلمسان كتاب جديد  يعنوان "دراسات دستورية في اسناد السلطة وممارستها"،



المحتويات
تمهيد
1.دور المجلس الدستوري الجزائري في ضمان مبدأ سمو الدستور.
2.بيان  السياسة العامة للحكومة بين الإلزام الدستوري والتقدير السياسي.
3.توسيع حظوظ مشاركة المرأة الجزائرية في المجالس المنتخبة أو  تحقيق المساواة عن طريق التمييز الإيجابي.
4. المسؤولية  السياسية والجنائية للسلطة التنفيذية في النظام السياسي الجزائري.
5.إصلاح البلدية وتعزيز دورها التنموي على ضوء قانون البلدية لسنة 2011.
6.تداعيات التقطيع الانتخابي وطرق تحديد  النتائج الانتخابية على عملية الانتقال الديمقراطي في الجزائر.
7. توسيع حالات التنافي مع العهدة البرلمانية، محاولة لتحقيق الفصل العضوي بين السلطات.
8. التعاطي مع شغور رئاسة الجمهورية: الجزائر 1992 وتونس 2011 نموذجا.
9. ملاحق: رأيي المجلس الدستوري حول القانونين العضويين المتعلقين بحالات التنافي مع العهدة البرلمانية وتوسيع حظوظ مشاركة المرأة في المجالس المنتخبة.



تقديم

يضم هذا الكتاب مجموعة من الدراسات الدستورية التي سبق لنا تقديمها في تظاهرات علمية وطنية ودولية، أو تم نشرها في مجلات علمية محكمة وطنية، ارتأينا تجميعها ووضعها في متناول المهتمين بالقانون الدستوري الجزائري.

يتناول المقال الأول دور المجلس الدستوري الجزائري في ضمان مبدأ سمو الدستور، وهو الدور المنوط به وفقا للدستور ذاته الذي ينص على سهر المجلس الدستوري على احترام الدستور، وعلى الرغم من العوائق العديدة التي تحول دون قيام المجلس الدستوري الجزائري بهذا الدور على أكمل وجه، إلا انه استطاع اقتناص الفرص التي أتيحت له -سواء عند مراقبته للنصوص التشريعية بمختلف أنواعها، أو عند نظره في مدى مطابقة الأنظمة الداخلية لغرفتي البرلمان- ليؤكد قدرته على القيام بهذه المهمة، وهو ما تدلل عليه كثير من المواقف التي صاغها في مختلف قراراته وآراءه منذ 1989 تاريخ تأسيسه وبداية نشاطه.

أما الدراسة الثانية فتتطرق لإحدى صور الرقابة التي يمارسها البرلمان على السلطة التنفيذية، خاصة المجلس الشعبي الوطني، بمناسبة عرض الحكومة لحصيلتها السنوية أمامه، وذلك إما بإيداع ملتمس رقابة والتصويت عليه، أو بالتصويت على طلب الثقة الذي يتقدم به الوزير الأول، غير أن هذين الإجراءين الرقابيين، عطل استخدامهما بسبب تخلف كثير من الحكومات عن تقديم البيان السنوي لسياستها العامة أمام المجلس الشعبي الوطني رغم إلزاميته، وهو ما أدى إلى القول بإمكانية تشكل عرف دستوري مفاده أن الحكومات تمتلك السلطة التقديرية في عرض حصيلة سنوية عن سياستها العامة أمام المجلس الشعبي الوطني؛ وهذا ما دفع بالمؤسس الدستوري الجزائري بمقتضى التعديل الدستوري لسنة 2016، إلى إعادة صياغة المادة المتعلقة بتقديم الحكومة للبيان السنوي لسياستها العامة، حيث أصبحت تفيد بكل جلاء إلزامية تقديم هذا البيان حيث نصت المادة 98 على أنه" يجب على الحكومة أن تقدم سنويا إلى المجلس الشعبي الوطني بيانا عن السياسة العامة".

أما الموضوع الثالث، فيعالج التطور البارز الذي عرفته الحقوق السياسية للمرأة في الدستور الجزائري، حيث جعل هذا الأخير على إثر التعديل الذي أدخل عليه سنة 2008، على عاتق الدولة العمل على ترقية الحقوق السياسية للمرأة، وهو ما تجسد تشريعيا من خلال إدراج مبدأ الحصص الإجباري أو ما يعرف بنظام "الكوتا" في القوائم الانتخابية وكذا عند توزيع المقاعد في الانتخابات المتعلقة بالمجالس البلدية والولائية والمجلس الشعبي لوطني، كل ذلك، بهدف توسيع حظوظ مشاركة المرأة في هذه المجالس المنتخبة، وهو ما تحقق فعلا عقب الانتخابات المحلية والتشريعية لسنة 2012، أين ارتفع التمثيل النسوي بشكل معتبر في هذه المجالس، وارتقى معه ترتيب الجزائر إلى مراتب متقدمة في لائحة الدول الأكثر تمثيلا للمرأة في مجالسها المنتخبة، تنفيذا للالتزامات الدولية، خاصة اتفاقية القضاء على مختلف أشكال التمييز ضد المرأة، وفي مقابل ذلك ظهرت بعض الآثار السلبية  لتطبيق هذا القانون على أرض الواقع تتعرض لها هذه الدراسة بالتحليل.

يضم هذا الكتاب دراسة أخرى، تعالج موضوع المسؤولية الجنائية لرأسي السلطة التنفيذية في النظام السياسي الجزائري، ويتعلق الأمر بكل من رئيس الجمهورية والوزير الأول، وهي مسؤولية أدرجت لأول مرة بمقتضى دستور 1996، الذي نص على تشكيل محكمة تدعى بالمحكمة العليا للدولة، تختص بمحاكمة رئيس الجمهورية عن الأفعال التي يمكن وصفها بالخيانة العظمى، والوزير الأول عن الجنايات والجنح التي يرتكبانها أثناء تأديتهما لمهامهما، ونظرا لعدم تشكيل هذه المحكمة نتيجة تأخر صدور القانون العضوي المحدد لتشكيلتها وسيرها والإجراءات المتبعة أمامها، فقد ركزنا على إسقاط التجربة الفرنسية في هذا المجال لتحليل المسؤولية الجنائية للسلطة التنفيذية   في الجزائر.

ارتأينا من جانب آخر تضمين هذا الكتاب لورقة بحثية تتناول الإصلاحات التي عرفها قانون البلدية المعدل سنة 2011، خاصة ما تعلق منه بإدراج مبدأ مشاركة المواطنين في صنع القرار المحلي ومتابعة تنفيذه، إضافة إلى محاولة تفادي كل ما من شأنه شل المجالس البلدية وتعطيل مصالح المواطنين، وحتى تتمكن من القيام بدورها التنموي على أكمل وجه.

كما يضم هذا الكتاب، ورقة بحثية تعالج موضوع الآثار المترتبة على نظام الانتخابات، خاصة ما تعلق منها بتحديد الدوائر الانتخابية أو ما يعرف بالتقطيع الانتخابي،  وطرق تحديد النتائج الانتخابية، فبعد عرضها نظريا، تطرقنا بعدها إلى عدم استقرار المشرع الجزائري منذ إقرار التعددية الحزبية، على نمط محدد سواء لتقسيم الدوائر الانتخابية أو لتحديد نتائج مختلف الاستشارات الانتخابية، مما أفرز انعكاسات عديدة على تشكيل المجالس المنتخبة من جهة، وعلى استقرارها من جهة أخرى.

 في نفس السياق، أدرجنا في هذا الكتاب دراسة تحليلية للقانون العضوي المتعلق بحالات التنافي مع العهدة البرلمانية ومدى تأثيره على العلاقة بين السلطات في النظام السياسي الجزائري، خاصة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، حيث كان الهدف الرئيسي للمشرع الجزائري من الإحالة على البرلمان لوضع قانون عضوي يحدد الوظائف والمهن والنشاطات  التي تتنافى ممارستها  مع تولي العهدة البرلمانية، هو تحقيق الفصل العضوي بين هاتين السلطتين، وحتى يتفرغ عضو البرلمان للقيام بواجباته والتزاماته التي انتخب لأجلها وعلى رأسها التشريع والرقابة والتحسس لانشغالات منتخبيه.

أما الورقة البحثية الأخيرة، فتتعلق بدراسة مقارنة لكيفية معالجة المؤسس الدستوري في  كل من الجزائر وتونس لحالات شغور رئاسة الجمهورية، مركزين على الخصوص على تعاطي السلطات القائمة في البلدين، مع شغور رئاسة الجمهورية بكيفية وظروف لم يتوقعها المؤسس الدستوري،  ويتعلق الأمر بحالتي شغور رئاسة الجمهورية في الجزائر في 1992 وتونس سنة 2011، الأمر الذي أدخل البلدين في أزمة دستورية تم تجاوزها بحنكة.

في الأخير نتمنى أن نكون قد وفقنا في اختيار المواضيع التي تناولتها هذه الدراسات الدستورية، آملين أن يستفيد الباحثون بصفة عامة، والمهتمون بالقانون الدستوري الجزائري بصفة خاصة، من الأفكار الايجابية الواردة فيها، ومتقبلين في نفس الوقت النقد البناء الذي قد يطالها.



السبت، 10 يونيو، 2017

الدفع بعدم دستورية القوانين/ في دساتير الجزائر تونس المغرب أنموذجا



انفتاح القضاء الدستوري على المتفاضين ومساهمته في تنقية النظام القانوني من القوانين الماسة بالحقوق والحريات في الدساتير المغاربية
الجزائر تونس والمغرب أنموذجا


بقلم: الأستاذ الدكتور عمار عباس
 أستاذ التعليم العالي، كلية الحقوق والعلوم السياسية
جامعة مصطفى اسطمبولي، معسكر
الجزائر
ملخص

يتناول هذا المقال دراسة حق المتقاضين في الدفع بعدم دستورية القوانين، الذي تضمنته دساتير الجزائر والمغرب وتونس على إثر التعديلات الدستورية الأخيرة، من حيث  شروطه والنتائج المترتبة عليه، خاصة مساهمته في تنقية النظام القانوني من القوانين الماسة بالحقوق والحريات الأساسية.



المقال منشور بمجلة المجلس الدستوري الجزائري، عدد 7 لسنة 2016، ص ص 9-50.

لقراءة المقال من مصدره الأصلي أنقر على الرابط أدناه



مقدمة
         إذا كانت الرقابة على دستورية القوانين ضرورية في ظل الأنظمة ذات الدساتير الجامدة، إلا أن هناك تباين في تبني الأسلوب الذي تباشر به هذه الرقابة، لأجل ذلك، تقسم الرقابة الدستورية إلى أصناف عديدة، فمن حيث الجهة التي تمارسها تقسم إلى سياسية وقضائية[1]، ومن حيث وقت ممارستها قد تكون رقابة قبلية أو بعدية لصدور القانون[2]، أما من حيث مجالها، فمنها من تقتصر على مراقبة النصوص القانونية التي تدخل في اختصاص السلطتين التشريعية والتنفيذية، ومنها من تمتد حتى إلى أحكام القضاء؛ وأما من حيث آثارها، فمنها من تستهدف إلغاء الحكم المخالف للدستور وتنقية النظام القانوني منه، ومنها من تستبعد تطبيقه فقط.
 يرجع تنوع أساليب الرقابة الدستورية على القوانين وما يتبعها من تعدد لنماذج القضاء الدستوري إلى"المناخ السياسي لكل بلد الذي يتكيف معه في إقامة صرح الدولة العادلة"[3]، وبناء عليه فقد درج الفقه الدستوري على تصنيف القضاء الدستوري إلى نموذجين أساسين هما النموذج الأمريكي والنموذج الأوربي، ويتوسطهما نموذج ثالث هو النموذج الفرنسي.
على الرغم من التخوف من تمكين القضاء من وظيفة الرقابة على دستورية القوانين لما فيه من مساس بمبدأ الفصل بين السلطات، حيث تتحول السلطة القضائية إلى رقيب على السلطة التشريعية، وهو ما من شأنه إهدار سيادة البرلمان بانتهاك مبدأ الإرادة الجماعية المجسد في سلطة التشريع[4]، والتأسيس لما سمي بحكومة القضاة[5]، إلا أن القضاء في الولايات المتحدة الأمريكية، اعتبر نفسه صاحب الاختصاص الأصيل  في الرقابة على دستورية القوانين، دون حاجة لنص دستوري صريح، وهو ما أكدته  المحكمة الفدرالية العليا، برئاسة القاضي جون مارشال (John Marshall) في قضية (ماربوري ضد ماديسون (Marbury vs Madison) سنة 1803 )، بتأكيدها على أنه واجب القضاء استبعاد القانون الذي يتعارض مع  الدستور[6]، وقد خلدت خلاصة هذا الحكم بنقشها على جدار المحكمة الفدرالية[7].
وبناء عليه أصبحت جميع المحاكم بمختلف درجاتها أثناء فصلها في المنازعات المعروضة عليها، مختصة بالنظر في الدفع بعدم دستورية قانون ما، قصد استبعاد تطبيقه على النزاع الأصلي، وهذا ما يعرف بالأثر النسبي للحكم (inter parts)، وقد كان هذا النموذج من القضاء الدستوري ملهما لدول أمريكا اللاتينية، وحتى بعض الدول الأوربية[8].

أما في أوربا، فقد كان لدراسات الفقيه النمساوي  هانس كلسن (H. KELSEN) حول الآليات التي من شأنها تجسيد مبدأ تدرج القواعد القانونية، أثرا بالغا في ظهور نموذج أوربي للقضاء الدستوري المعروف بالنموذج الكلسيني، والذي وإن أوكل مهمة الرقابة على دستورية القوانين للقضاء، وهو ما عبر عنه كلسن بالحماية القضائية للدستور[9]، إلا أنه جعلها من اختصاص محكمة مركزية، وهو ما تجسد في الدستور النمساوي لسنة 1920، من خلال  المحكمة الدستورية التي كانت فريدة من نوعها وقتذاك، فتأثرت بهذا النموذج  معظم الدول الأوربية، لينتشر في كامل أوربا نهاية الثمانينات، عقب التحولات التي عرفتها دول أوربا الوسطى والشرقية[10].
يتميز النموذج الأوربي للقضاء الدستوري بمركزية المنازعة الدستورية، لأنها غالبا ما تكون اختصاصا حصريا لمحكمة الدستورية أو لأعلى جهة قضائية، غالبا ما يخول حق للسلطات العمومية، حفاظا على الاستقرار التشريعي ولدواعي الأمن القانوني؛ كما توصف المنازعة الدستورية بأنها مجردة، لأنها غير مرتبطة بنزاع حقيقي؛ والحكم المترتب عنها ذو أثر مطلق (erga omnes)، يتمتع بحجية الشيء المقصي فيه، فإذا قضي بعدم دستورية قانون ما، فيترتب على ذلك إلغاءه واختفاءه من النظام القانوني وتنقيته منه[11].
على خلاف باقي الدول الأوربية  بقيت فرنسا وفية لتقاليدها القائمة على فكرة التمركز حول القانون (légicentrisme) وتقديسه (sacralisation de la loi)، لأنه من صنع البرلمان المعبر عن الإرادة العامة (la volonté générale)[12]، ومن ثم لم يكن مستساغا عقب ثورة 1789 أن يعهد للقضاء بالرقابة على دستوريته، نظرا لفساده وارتباطه بالنظام الملكي[13]، فاستعيض عن ذلك بنموذج متميز للرقابة الدستورية، تتكفل بها هيئة مشكلة من أعضاء يمثلون السلطتين التشريعية والتنفيذية، مما جعلها تبدو وكأنها ذات طابع سياسي[14]، وقد تجسد هذا التوجه في المجلس الدستوري الذي أنشأ بمقتضى دستور 1958[15].
كانت رقابة المجلس الدستوري الفرنسي  وقائية لأنها سابقة لصدور القوانين، حيث كانت إلى غاية 2008  تباشر على مشاريع القوانين[16]، تفاديا لتطبيق قوانين مخالفة للدستور[17]، وإن كان هذا يتحقق فقط في حالة الرقابة الإلزامية، خاصة على القوانين العضوية والأنظمة الداخلية لغرفتي البرلمان، أما القوانين العادية ونظرا لأن رقابتها اختيارية، فكانت تتحصن من الطعن لعدم الدستورية بمجرد صدورها، لعدم إمكانية رقابتها لاحقا، وحرمان المجلس الدستوري من التحرك التلقائي، كما لاحظ ذلك العميد جورج فودال (G. Vedel)[18].
لقد أدى تضييق الجهات التي لها حق إخطار المجلس الدستوري رغم توسيعها إلى أعضاء البرلمان سنة 1974 [19]؛ إلى توجيه انتقادات عديدة للمجلس، خاصة وأن الغرض الأساسي من إنشاءه كان الحد من تسلط البرلمان وعقلنة عمله الرقابي[20]، لمواجهة عدم الاستقرار السياسي الذي ميز الجمهوريتين الثالثة والرابعة، فرغم أنه مشكل من أعضاء يمثلون السلطتين التشريعية والتنفيذية[21]، إلا أنه وصف بخادم هذه الأخيرة[22] وحاميها[23].
رغم كل ذلك، استطاع المجلس الدستوري التحرر شيئا فشيئا من الإطار الذي وضع له، بداية من توسيعه للكتلة الدستورية[24] بقراره الشهير حول حق التجمع سنة 1971[25]، ليتحول إلى حامي للحقوق والحريات الأساسية[26]، ثم زاد دوره اتساعا بعد تمديد حق الإخطار للبرلمانيين[27]، كما كان له دورا بارزا في فترات التداول على السلطة بعد وصول اليسار إلى رئاسة الجمهورية سنة 1981، ونجاح مبدأ التعايش الذي يميز النظام السياسي للجمهورية الخامسة، مما دفع البعض لوصفه بحكومة العقلاء[28]؛ كما استطاع أن يؤكد على القيمة المعيارية للدستور مقابل القانون، معتبرا هذا الأخير معبرا عن الإرادة العامة فقط ضمن الحدود التي يضعها له الدستور[29]، باعتباره عقدا اجتماعيا[30].
ورغم النجاح الذي حققه المجلس الدستوري الفرنسي إلا أن حرمان المتقاضين من الوصول إليه بقي يؤرق رجال القانون والسياسة على حد سواء،  ليتحقق ذلك أخيرا بمقتضى التعديل الدستوري لسنة 2008[31].
لقد كان النموذج الأوربي للقضاء الدستوري، ملهما لغالبية الدول العربية، حيث كانت مصر السباقة لذلك، بإنشاء محكمة عليا  بقانون سنة 1969[32]، ثم محكمة دستورية عليا بمقتضى دستور 1971[33] وحافظت على مكانتها في دستوري ما بعد ثورة 2011 [34]، بخلاف ذلك، كان للظروف التاريخية دورا بارزا في استلهام دساتير الدول المغاربية للنموذج الفرنسي، باستنساخ تجربة المجلس الدستوري، غير أن التحولات السياسية التي عرفتها هذه الدول انطلاقا من أواخر سنة 2010، وما أعقبها من إصلاحات دستورية، والتي طالت القضاء الدستوري، وأفضت إما بالتخلي عن الرقابة السياسية لصالح رقابة قضائية كما هو الحال في المغرب وتونس، أو محاولة إصلاحها وتفعيلها وهو ما اتجهت إليه الجزائر (أولا)،  إلا أن التجديد البارز، والذي يمثل القاسم المشترك بينها هو تمكين المتقاضين من الدفع بعدم دستورية القوانين المطبقة على النزاعات المعروضة أمام القضاء، تأسيا بالتطور الذي عرفه القضاء الدستوري الفرنسي سنة 2008، بإدراج ما أصبح يعرف بالمسألة الأولية  للدستورية؛  فإلى أي مدى سيساهم ذلك في تنقية النظام القانوني من القوانين المخالفة للدستور، خاصة منها الماسة بالحقوق والحريات الأساسية (ثانيا).




[1]-سهيل محمد العزام، أنواع الرقابة على دستورية القوانين، دار عمار للنشر والتوزيع، عمان 2003، ص 6.
[2]-نزيه رعد، القانون الدستوري العام، المبادئ العامة والنظم السياسية، المؤسسة الحديثة للكتاب، الطبعة الثانية، طرابلس، لبنان،، ص ص  117-118.
[3]-عبد السلام محمد الغنامي، النظرية العامة للرقابة على أعمال الحكومة والبرلمان، الجزء الأول، الرقابة على دستورية القوانين، الطبعة الأولى، دار القلم، دون تاريخ، ص 6.
[4] - حول الرأي القائل والمعارض لحق القضاء في الرقابة على دستورية القوانين على الرغم من عدم النص عليها دستوريا، أنظر إبراهيم عبد العزيز شيحا، القانون الدستوري، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، 2003، ص 315 – 324.
[5]-Cf, Édouard LAMBERT : Le gouvernement des juges et la lutte contre la législation sociale aux États-Unis; l'expérience américaine du contrôle judiciaire de la constitutionnalité des lois, Giard, Paris, 1921
[6] -C’est précisément le domaine et le devoir du pouvoir judiciaire de dire ce qu’est la loi. Ceux qui appliquent une règle à un cas particulier doivent nécessairement exposer et interpréter cette règle”, Arrêt 5 U.S.137 rendu le 24 février 1803 par la cour suprême des Etats-Unis dans l'affaire Marbury V. Madison.
[7] -خلدت أهم جملة من الحكم المتترتب  على قضية ماربوري ضد ماديسون بنقشها على أحد جدران المحكمة الفدرالية :
« It is emphatically the province and duty of the Judicial Department to say what the law is ».
[8] - Frédérique Rueda, Cours  de contentieux constitutionnel, Leçon n° 2, Les modèles de justice constitutionnelle, université numérique juridique francophone, pp. 9-10.

[9] -cf, Hans KELSEN, "La garantie juridictionnelle de la Constitution (La justice constitutionnelle), RDP 1928, p.247).
[10] -« Au moment de sa création, la Cour constitutionnelle autrichienne était globalement la seule juridiction constitutionnelle existante de ce type. Ce n’est que des décennies plus tard, dans la seconde moitié du 20e siècle, que ce modèle autrichien de justice constitutionnelle servit d’exemple à de nombreux États, en Europe et ailleurs. Tel fut par exemple le cas de l’Allemagne, de l’Italie, de la Turquie, de l’Espagne et – après les bouleversements en Europe centrale et orientale, ainsi que dans les Balkans – de pratiquement tous les États concernés par ces évolutions», Holzinger Gerhart, « La Cour constitutionnelle autrichienne », Les Nouveaux Cahiers du Conseil constitutionnel, 2012/3 N° 36, p. 183.

[11] - Frédérique Rueda, Cours  de contentieux constitutionnel, op. cit,  pp. 12-13.
[12]-وهو ما أكدت عليه المادة 6 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواطن لسنة 1789:
 Art. 6: ”La Loi est l'expression de la volonté générale. Tous les Citoyens ont droit de concourir personnellement, ou par leurs Représentants, à sa formation. Elle doit être la même pour tous, soit qu'elle protège, soit qu'elle punisse. Tous les Citoyens étant égaux à ses yeux sont également admissibles à toutes dignités, places et emplois publics, selon leur capacité, et sans autre distinction que celle de leurs vertus et de leurs talents”. 
[13]-لمين شريط، الوجيز في القانون الدستوري والمؤسسات السياسية المقارنة، ديوان المطبوعات الجامعية، الطبعة الثانية 2002، ص 150، أنظر كذلك عزيزة الشريف، المرجع السابق ص 62-63.
[14]-سهيل محمد العزام، المرجع السابق، ص 6.
[15] -أنظر المواد من 56 إلى 63 من دستور فرنسا لسنة 1958.
[16]-سهيل محمد العزام، المرجع السابق، ص10.
[17] -نزيه رعد، القانون الدستوري العام، المبادئ العامة والنظم السياسية،...مرجع سبق ذكره، ص 122-124. 
[18] -"l'accès de ce tribunal (est) réservé aux princes : que le président de la République, le Premier ministre et les Présidents des deux assemblées fussent d'accord et la loi la plus anticonstitutionnelle serait à l'abri de tout recours ", in "L'inexpérience constitutionnelle de la France ", La Nef, avril-juin 1961, p.5, cite par  - Frédérique Rueda, Cours  de contentieux constitutionnel, op. cit, p.8.
[19]-المادة 61 فقرة 2 من دستور فرنسا لسنة 1958.
[20]--الأمين شريط مكانة البرلمان الجزائري في اجتهاد المجلس الدستوري، مجلة المجلس الدستوري، العدد الأول، 2013، ص 9.
[21]-يتشكل المجلس الدستوري الفرنسي من تسعة أعضاء، يعين كل من رئيس الجمهورية ورئيسي غرفتي البرلمان ثلاثة أعضاء، يضاف إليهم رؤساء الجمهورية السابقين. أنظر المواد 56 إلى 62 من الدستور الفرنسي لسنة 1958.
[22] -"Cour suprême de musée Grévin (... qui) n'a jamais eu d'autre utilité que de servir de garçon de courses au général De Gaulle chaque fois que ce dernier a cru bon de l'employer à cet usage." (F. MITTERRAND, Le coup d'Etat permanent, UGE, 1965, p.121).
[23] -cf, Bénédicte DELAUNAY, Le Conseil constitutionnel protecteur de l'Exécutif ?, in Pascal JAN et Jean-Philippe ROY (dir.), Le Conseil constitutionnel vu du Parlement, Ellipses, 1997, p.172

[24] -الأمين شريط مكانة البرلمان الجزائري في اجتهاد المجلس الدستوري، مرجع سبق ذكره، ص 15.
[25] -cf, CC n°71-44 DC du 16 juillet 1971, Liberté d’association.
[26] -"d'auxiliaire - conscient ou inconscient - du pouvoir, (il) se (transforme) en censeur des entreprises gouvernementales" (Jacques ROBERT, "Propos sur le sauvetage d'une liberté", RDP 1971, p.1170.). Cf, Boudou Guillaume, « Autopsie de la décision du Conseil constitutionnel du 16 juillet 1971 sur la liberté d'association », Revue française de droit constitutionnel, 2014/1 n° 97, p. 5-120.
[27] -cf, Benetti Julie, « La saisine parlementaire (au titre de l'article 61 de la Constitution) », Les Nouveaux Cahiers du Conseil constitutionnel, 2013/1 N° 38, p. 85-98.
[28] - Claude EMERI, "Gouvernement des sages ou veto des sages ?", RDP 1990, p.340.
[29] -« la loi votée, qui n’exprime la volonté générale que dans le respect de la Constitution », Décision n° 85-197 DC du 23 août 1985, Loi sur l’évolution de la Nouvelle- Calédonie, Rec. 70.
[30] -«Dans un État de droit constitutionnel, c’est en effet la Constitution et non la loi qui exprime le pacte social fondamental.» , L. COHEN-TANUGI, « Qui a peur du Conseil constitutionnel ? », Le débat, janvier-mars 1987, p. 53.
[31] -Cf, Loi constitutionnelle n° 2008-724 du 23 juillet 2008 de modernisation des institutions de la Ve République.
[32]-أنظر إبراهيم عبد العزيز شيحا، القانون الدستوري، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، 2003، ص 328.
[33] - جاء في المادة 175 من  لسنة 1971 على أنه"تتولى المحكمة الدستورية العليا دون غيرها الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح، وتتولى تفسير النصوص التشريعية وذلك كله على الوجه المبين في القانون"؛ أنظر يحي الجمل، القضاء الدستوري في مصر، دار النهضة العربية، 2008، ص ص 109-261.
[34] - نصت المادة 175 من دستور مصر لسنة 2012 على أن"المحكمة الدستورية العليا جهة قضائية مستقلة، مقرها مدينة القاهرة، تختص دون غيرها بالفصل في دستورية القوانين واللوائح. ويحدد القانون اختصاصاتها الأخرى، وينظم الإجراءات التي تتبع أمامها".