الأحد، 8 أبريل، 2012

النظام السياسي الجزائري في ظل دستور 1996

إذا كان دستور 1996 قد أكد على ازدواجية السلطة التنفيذية على غرار دستور 1989، فإن التعديل الدستوري لسنة 2008  تراجع عن هذه الازدواجية من خلال التخفيف منها وذلك بإعادته تنظيم السلطة التنفيذية، ويظهر ذلك باستبدال منصب رئيس الحكومة بوزير أول يقتصر دوره على تنسيق عمل الحكومة المطالبة بتنفيذ برنامج رئيس الجمهورية.

أولا: السلطة التنفيذية
لقد أعاد دستور 1989 ترتيب السلطة التنفيذية من الداخل، وهو ما أكده دستور 1996، فقد اعتبر إنشاء منصب لرئيس الحكومة مسئول سياسيا أمام المجلس الشعبي الوطني من أهم التجديدات التي جاء به دستور 1989، دون أن يمس هذا التجديد بمكانة رئيس الجمهورية على رأس النظام السياسي أو بصلاحياته.
لقد كان إنشاء منصب لرئيس الحكومة إلى جانب رئيس الجمهورية، بمثابة قفزة نوعية بواسطتها انتقل النظام السياسي الجزائري من أحادية السلطة التنفيذية إلى ثنائيتها؛ نقول هذا دون أن ننسى أن منصب رئيس الحكومة تم استحداثه بموجب التعديل الدستوري الأولي الذي عرفه دستور 1976 في 03 نوفمبر 1988، عقب أحداث أكتوبر 1988، ليتم التأكيد عليه في دستوري 1989 و 1996.
غير أن الممارسة بينت أن هناك تناقض بين وجود منصب لرئيس الجمهورية منتخب على أساس برنامج مزكى من طرف الأغلبية المطلقة للناخبين، وحكومة مطالبة دستوريا بتنفيذ برنامجها متى وافق عليه المجلس الشعبي الوطني، الأمر الذي دفع إلى إدخال تعديل جزئي على دستور 1996، تم بمقتضاه إلغاء منصب رئيس الحكومة واستبداله بمنصب وزير أول مكلف بتنفيذ برنامج رئيس الجمهورية.
1.رئيس الجمهورية
 على غرار دستوري 1963 و 1976، احتفظ رئيس الجمهورية بمكانته المرموقة على رأس السلطة التنفيذية في دستوري 1989 و 1996، فهو المجسد لوحدة الأمة والمجسد للدولة داخل البلاد وخارجها، وهو حامي الدستور ، هذه المكانة المخصصة لرئيس الجمهورية تبين التأثر الواضح للمؤسس الدستوري الجزائري بالدستور الفرنسي لسنة 1958 وخاصة المادة الخامسة منه.
تعود المكانة المرموقة لرئيس الجمهورية في النظام السياسي الجزائري إلى طريقة انتخابه؛ فهو ينتخب عن طريق  الاقتراع العام المباشر والسري ويتم الفوز في الانتخاب بالحصول على الأغلبية المطلقة من أصوات الناخبين المعبر عنها ، الأمر الذي يجعل منه ممثلا لكل الأمة وحائزا لثقتها، على غرار رئيس الجمهورية في النظام السياسي الفرنسي الذي تعتبر شرعيته أكبر من شرعية أي منتخب آخر، فرئيس الجمهورية هو منتخب الأمة كلها، عكس أعضاء البرلمان الذين ينتم انتخابهم في دوائر انتخابية محدودة .
2.سلطات رئيس الجمهورية
حتى يتمكن رئيس الجمهورية من تطبيق البرنامج الذي قدمه للناخبين ومنحوه الثقة على أساسه، فقد خوله الدستور صلاحيات واسعة سواء في الظروف العادية أو الاستثنائية؛ وإذا كان الرئيس المنتخب من غير الممكن أن يحوز على ثقة كل الناخبين بل أغلبيتهم فقط، إلا أنه بانتخابه يصبح رئيسا لكل الجزائريين.
أ.سلطات رئيس الجمهورية في الظروف العادية
 نظرا للصلاحيات الكثيرة التي خولها الدستور لرئيس الجمهورية في الظروف العادية فإننا سنكتفي بتعداد أهمها، ومن هذه الصلاحيات يمكن ذكر ما يلي :
-يتولى القيادة العليا للقوات المسلحة؛
-يترأس مجلس الوزراء؛
-يعين الوزير الأول وينهي مهامه؛ ويمكنه أن يعين نائبا أو عدة نواب للوزير الأول بغرض مساعدة هذا الأخير في ممارسة وظائفه، وينهي مهامهم؛
-يوقع المراسيم الرئاسية؛
-له حق إصدار العفو وحق تخفيض العقوبات أو استبدالها؛
-يمكنه أن يستشير الشعب في كل قضية ذات أهمية وطنية عن طريق الاستفتاء؛
-يبرم المعاهدات الدولية ويصادق عليها؛
-له أن يحل المجلس الشعبي الوطني ويقرر إجراء انتخابات تشريعية قبل أوانها؛
-له سلطة التشريع بأوامر بين دورتي البرلمان و في حالة شغور المجلس الشعبي الوطني وفي الظروف الاستثنائية؛
-يعين في أهم الوظائف والمهام وعلى الخصوص الوظائف المدنية والعسكرية في الدولة، كما يعين كلا من رئيس مجلس الدولة والأمين العام للحكومة ومحافظ بنك الجزائر والقضاة ومسئولو أجهزة الأمن والولاة؛ كما يعين سفراء الجمهورية والمبعوثين فوق العادة إلى الخارج وينهي مهامهم ويتسلم أوراق اعتماد الممثلين الدبلوماسيين الأجانب وأوراق إنهاء مهامهم؛
-يوقع القوانين وقبل ذلك يمكنه أن يطلب من البرلمان إجراء مداولة ثانية بشأن قانون صادق عليه؛ وباعتباره حاميا للدستور يمكنه إخطار المجلس الدستوري قصد القيام برقابة القوانين والأنظمة الداخلية لغرفتي البرلمان وكذا المعاهدات للدستور.
ب.سلطات رئيس الجمهورية في الظروف غير العادية
خول الدستور لرئيس الجمهورية مجموعة من الصلاحيات في الظروف غير العادية تمكنه من الحفاظ عل النظام العام وحماية استقلال البلاد؛ وتختلف الإجراءات التي يتخذها رئيس الجمهورية باختلاف درجة خطورة الظروف التي تمر بها البلاد كلها أو جزء منها ، وبالنظر إلى النتائج التي قد تترتب عنها:
أ-يقرر حالة الطوارئ أو الحصار لمدة معينة إذا دعت الضرورة الملحة ذلك، بعد اجتماع المجلس الأعلى للأمن وعقب استشارة الوزير الأول ورئيس المجلس الدستوري، ويتخذ كل التدابير اللازمة لاستتباب الأمن.
ونظرا لتداعيات الإجراءات المتخذة على حقوق وحريات الأفراد، فلا يمكن تمديد حالة الحصار والطوارئ إلا بعد موافقة البرلمان المنعقد بغرفتيه المجتمعتين معا ؛ كما أضاف دستور 1996 ضمانا آخر لحماية الحقوق والحريات وعدم التعسف في استعمال هذه السلطة، يتمثل في تنظيم حالة الطوارئ وحالة الحصار بموجب قانون عضوي ؛
ب-يقرر الحالة الاستثنائية إذا كانت البلاد مهددة بخطر داهم يوشك أن يصيب مؤسساتها الدستورية أو استقلالها أو سلامة ترابها، على أن لا يتخذ مثل هذا الإجراء إلا بعد استشارة رئيس المجلس الشعبي الوطني ورئيس مجلس الأمة والمجلس الدستوري، والاستماع إلى المجلس الأعلى للأمن ومجلس الوزراء.
تخول الحالة الاستثنائية رئيس الجمهورية أن يتخذ الإجراءات الاستثنائية التي تستوجبها المحافظة على استقلال الأمة والمؤسسات الدستورية في الجمهورية، وخلال إعلان هذه الحالة يجتمع البرلمان وجوبا؛ على أن تنتهي الحالة الاستثنائية حسب الأشكال والإجراءات التي استوجبت إعلانها .
ج-يعلن التعبئة العامة في مجلس الوزراء بعد الاستماع إلى المجلس الأعلى للأمن واستشارة رئيس المجلس الشعبي الوطني ورئيس مجلس الأمة .
د-يعلن حالة الحرب إذا وقع عدوان فعلي على البلاد أو يوشك أن يقع حسبما نصت عليه الترتيبات الملائمة لميثاق الأمم المتحدة ، وذلك بعد اجتماع مجلس الوزراء والاستماع إلى المجلس الأعلى للأمن واستشارة رئيس المجلس الشعبي الوطني ورئيس مجلس الأمة؛ ويجتمع البرلمان وجوبا، ويوجه رئيس الجمهورية خطابا للأمة يعلمها بذلك .
في حالة الحرب تتسع سلطات رئيس الجمهورية، إذ يتوقف العمل بالدستور مدة الحرب ويتولى رئيس الجمهورية جميع السلطات، بل وفي حالة انتهاء عهدته الرئاسية ينص الدستور على ضرورة تمديدها وجوبا إلى غاية نهاية الحرب؛ وفي حالة استقالته أو وفاته أو حدوث أي مانع آخر له، يخول رئيس مجلس الأمة بصفته رئيسا للدولة، كل الصلاحيات التي تستوجبها حالة الحرب حسب الشروط نفسها التي تسري على رئيس الجمهورية؛ أما إذا اقترن شغور رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الأمة وهي حالة واردة، في هذه الحالة يتولى رئيس المجلس الدستوري وظائف رئيس الدولة .
ه-يوقع اتفاقيات الهدنة ومعاهدات السلم، ويتلقى رأي المجلس الدستوري في الاتفاقيات المتعلقة بهما، ويعرضها فورا على كل غرفة من البرلمان لتوافق عليها صراحة .
4.الوزير الأول
كان من أبرز مظاهر التعديل الدستوري لسنة 2008 هو استبدال منصب رئيس الحكومة بوزير أول ، يتولى رئيس الجمهورية تعينه وإنهاء مهامه ، وهو منصب كان موجود في دستور 1976 ، على الرغم من أن التسمية ليس لها أي تأثير على تنظيم السلطة التنفيذية وإنما العبرة بالصلاحيات، بل أكثر من ذلك، نجد هذه التسمية هي المستخدمة في النظام السياسي البريطاني مع الصلاحيات الواسعة الممنوحة للوزير الأول حتى كأنه يبدو شبيها برئيس الدولة في النظم الرئاسية .
تتلخص مهام الوزير الأول في تطبيق برنامج رئيس الـجمهورية ، ولأجل ذلك فإن دوره الأساسي هو تنسيق عمل الـحكومة التي يقوم باختيارها، وتعود صلاحية تعيينها لرئيس الجمهورية ، ولهذا الغرض  يحدد  الوزير الأول مخطط عمله ويعرضه في مجلس الوزراء .
 زيادة على ذلك أكد التعديل الدستوري على إخضاع توقيع المراسيم التنفيذية والتعيين في وظائف الدولة من قبل الوزير الأول، إلى الموافقة المسبقة لرئيس الجمهورية، وإسناد رئاسة اجتماع الحكومة للوزير الأول بتفويض من رئيس الجمهورية ، كل ذلك "يهدف إلى إدخال تغييرات داخل السلطة التنفيذية بهدف ضمان انسجام أكبر وفعالية أفضل لمهامها" .
وبذلك يكون هذا التعديل الجديد قد وضع حدا للتساؤل الذي كان مطروحا سابقا، والمتمثل في أي البرنامجين أولى بالتطبيق؟؛ حيث تم النص صراحة على أن الأمر يتعلق ببرنامج رئيس الجمهورية، وما دور الوزير الأول سوى تنسيق عمل الحكومة التي بقيت له صلاحية اختيارها، مع تحديده لبرنامج عمله، الذي ليس برنامجا مستقلا في حد ذاته وإنما يتعلق بتحديد الآليات الكفيلة بتجسيد برنامج رئيس الجمهورية على أرض الواقع؛ وعلى هذا النحو سيضفي ذلك"مزيدا من الوضوح  على مهمة الـحكومة الـمتمثلة في تـنفيذ برنامج رئيس الـجمهورية، وهو البرنامج الذي يكون قد حظي بأغلبية أصوات الشعب خلال الاقتراع الـمباشر" .
كما أن هناك تجديدا آخر جاء به التعديل الدستوري، يتمثل في إمكانية تعيين رئيس الجمهورية لنائب أو أكثر للوزير الأول، تتلخص مهمته في مساعدة هذا الأخير في ممارسة مهامه ؛ علما أن أول حكومة معينة بعد التعديل الدستوري لسنة 2008 لم تشمل نائبا أو نوابا للوزير الأول .
 ثانيا: السلطة التشريعية
تبنى المؤسس الدستوري  الجزائري نظام الغرفتين بمقتضى دستور 1996، بنصه على أن السلطة التشريعية يمارسها برلمان يتكون من غرفتين هما المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة، الأولى منتخبة تمثل فيها الولايات والجالية الجزائرية بالنظر إلى عدد السكان، والثانية تمثل فيها ولايات الوطن على قدم المساواة، بالإضافة إلى ضمها لأعضاء معينين من طرف رئيس الجمهورية.

1.المجلس الشعبي الوطني
يتشكل المجلس الشعبي الوطني من أعضاء منتخبين يمثلون ولايات الوطن حسب عدد السكان ، مع تخصيص مقاعد للجالية الوطنية في الخارج، على أن لا يقل عدد النواب الممثلين لكل ولاية عن أربعة نواب بالنسبة للولايات التي يقل عدد سكانها عن 350000 نسمة.
 ينتخب أعضاء المجلس الشعبي الوطني عن طريق الاقتراع العام المباشر والسري ، لمدة خمس سنوات ، بنظام التمثيل النسبي على القائمة ، بعدما كانوا ينتخبون عن طريق الاقتراع الفردي بالأغلبية في دورين في ظل دستور 1989.
 لقد كان الهدف من تعديل قانون الانتخابات ، بالتراجع عن نظام الأغلبية وتبني نظام التمثيل النسبي لتحديد نتائج الانتخابات التشريعية والمحلية ، هو ضمان مشاركة فعلية للمواطنين والقوى الوطنية في الحياة السياسية.
تتلخص شروط الترشح للعضوية في المجلس الشعبي الوطني في التمتع بالجنسية الجزائرية  والسن القانوني، على أن تقدم كل قائمة مترشحين إما تحت رعاية حزب سياسي أو أكثر، وإما كقائمة مترشحين أحرار شريطة أن تكون هذه الأخيرة مدعمة على الأقل بأربعمائة توقيع من ناخبي الدائرة الانتخابية المعنية في ما يخص كل مقعد مطلوب شغله .
يجدر التذكير أن المشرع اعتبر بعض الموظفين غير قابلين للانتخاب في دائرة الاختصاص التي يمارسون فيها وظائفهم إلا بعد سنة من انتهاء مهامهم في هذه الدائرة، وذلك بالنظر إلى أهمية الوظائف التي يمارسونها ، و"لتجنب إمكانية تأثير واستغلال هؤلاء للنفوذ خلال العمليات الانتخابية" .
مهمة النائب وطنية ولا يمكن الجمع بينها وبين مهام أو وظائف أخرى، وفي سبيل أداءه لمهامه على أحسن وجه يتمتع النواب بالحصانة البرلمانية مدة نيابتهم، وعلى هذا الأساس لا يجوز أن يتابعوا أو يوقفوا ولا يمكن أن ترفع عليهم أية دعوى مدنية أو جزائية أو يسلط عليهم أي ضغط بسبب ما عبروا عنه من آراء أو ما تلفظوا به من كلام، أو بسبب تصويتهم خلال ممارسة مهامهم البرلمانية.
2. مجلس الأمة
تم استحداث مجلس للأمة كغرفة ثانية كما هو معمول به في كثير من الأنظمة الديمقراطية ، وقد كان الهدف من ذلك هو"مضاعفة مجال التمثيل الوطني عن طريق ضم منتخبي الجماعات المحلية، وكذلك الكفاءات والشخصيات الوطنية، ومن ثم ضمان مسار تشريعي أحسن، إلى جانب استقرار مؤسسات الدولة واستمرارها" ، وفي هذا الإطار خول الدستور لرئيس مجلس الأمة صلاحية تولي رئاسة الدولة في حالة شغور منصب رئيس الجمهورية.
  ينتخب ثلثا أعضاء مجلس الأمة عن طريق الاقتراع غير المباشر والسري من بين ومن طرف أعضاء المجالس الشعبية البلدية والولائية، في حين يعين الثلث الباقي من طرف رئيس الجمهورية من بين الشخصيات والكفاءات الوطنية في المجالات العلمية والثقافية والمهنية والاقتصادية والاجتماعية ؛ مع العلم أن عدد أعضاء مجلس الأمة يساوي على الأكثر نصف عدد أعضاء المجلس الشعبي الوطني، تحدد مهمتهم بست سنوات على أن يجدد نصفهم كل ثلاث سنوات .
وعلى غرار أعضاء المجلس الشعبي الوطني، فإن مهمة أعضاء مجلس الأمة وطنية قابلة للتجديد، ولا يمكن الجمع بينها وبين مهام أو وظائف أخرى، كما اعترف لهم بالحصانة البرلمانية التي تسمح لهم بأداء وظائفهم.
ثالثا:العلاقة بين السلطات في دستور 1996
بتبنيه لمبدأ الفصل بين السلطات، أقام المؤسس الدستوري الجزائري مجالات واسعة للتعاون بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، كما منح لكل سلطة وسائل تؤثر بها على نظيرتها، الأمر الذي من شأنه تحقيق التوازن بينهما.
ولئن كانت مجالات التعاون كثيرة فإننا سنحاول التركيز على أهمها، ونفس الأمر بالنسبة لوسائل التأثير، فكل سلطة تملك من الآليات التي تسمح لها بمراقبة السلطة الأخرى، غير أن أهم هذه الوسائل هي حق الحل الذي تمتلكه السلطة التنفيذية في مواجهة المجلس الشعبي الوطني، وتقابله المسئولية السياسية للحكومة أمام هذا الأخير.
1.مجالات التعاون
كما سبق وأن تطرقنا له عند الحديث عن مبدأ الفصل بين السلطات، فإن الفصل المطلق بين السلطات يستحيل تطبيقه، نظرا للتداخل في الاختصاصات خاصة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وحتى وإن لم تقر الدساتير هذا التعاون فقد فرضه الواقع العملي.
 يظهر هذا التعاون من خلال مشاركة كل سلطة في كثير من صلاحيات نظيرتها، ولعل أبرز صورة للتعاون تظهر في تدخل السلطة التنفيذية في عملية التشريع، وفي مقابل ذلك نجد السلطة التشريعية تساهم في كثير من اختصاصات السلطة التنفيذية، سواء بالتدخل المباشر كما هو الشأن بالنسبة للتصويت على قانون المالية أو في شكل استشارة كما هو الحال قبل اتخاذ كثير من القرارات الهامة.
2.وسائل التأثير المتبادلة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية
لم يمس التعديل الدستوري لسنة 2008 بالدور الرقابي للبرلمان بصفة عامة والمجلس الشعبي الوطني بصفة خاصة، وقد كان واضحا أن التعديل الدستوري يستهدف إعادة تنظيم السلطة التنفيذية من الداخل دون أن يؤثر ذلك على علاقتها بالسلطة التشريعية، منذ اختيار رئيس الجمهورية لطريقة التعديل الدستوري بواسطة البرلمان دون عرضه على استفتاء الشعب، لأنه لا يستهدف المساس بتوازن السلطات وهو ما أكده مجلس الوزراء  ، وارتآه المجلس الدستوري وعلله ، ومن ثم سيبقى الوزير الأول وحكومته  مسئولا مسئولية سياسية مزدوجة، أمام المجلس الشعبي الوطني من جهة، وأمام رئيس الجمهورية من جهة أخرى .
وعلى غرار الرقابة السابقة لشروع الحكومة في تطبيق مخطط عملها فإن الرقابة اللاحقة للمجلس الشعبي الوطني لم تتأثر بالتعديل الدستوري، سواء من خلال وسائل الاستعلام كالأسئلة والاستجواب وتشكيل لجان التحقيق، أو من خلال وسائل الرقابة الخطيرة التي قد ترتب المسئولية السياسية للحكومة، بمناسبة عرضها للبيان السنوي لسياستها العامة، والتي يمكن أن تتوج إما باقتراح ملتمس رقابة ينصب على عمل الحكومة، أو بطلب الوزير الأول من المجلس الشعبي الوطني تصويتا بالثقة لمواصلة عمله والمتمثل في تنفيذ برنامج رئيس الجمهورية .
أما في ما يخص مجلس الأمة فبقي دوره مقتصرا على الإطلاع على مخطط عمل الحكومة بالصيغة التي وافق عليها المجلس الشعبي الوطني، وليس في إمكانه سوى إصدار لائحة حول هذا المخطط ، علما أن هذه اللائحة ليس لها أي تأثير على شروع الحكومة في تنفيذ مخطط عملها، ولو أن إفصاح أعضاء مجلس الأمة عن مساندتهم لمخطط عمل الحكومة، يعتبر دعما إضافيا لها والتزاما منهم بعدم عرقلة العمل التشريعي الذي يعتبر الوسيلة الأساسية لتجسيد مخطط عمل الحكومة.

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق