السبت، 17 مايو، 2014

عـرض عـام حول اقتراحـات تتعلـق بالتعديل الدستوري


______________________________________


يندرج مشروع القانون المتضمن التعديل الدستوري الذي قــرر رئيس الجمهورية المبادرة به، في إطار مواصلة مسار الإصلاحات السياسية.

ويهدف إلى ملاءمة القانون الاسمي للبلاد مع المتطلبات الدستورية التي أفرزها التطور السريع لمجتمعنا، والتحولات العميقة الجارية عبر العالم.

 ستتوخى مراجعة القانون الأساس، من بين ما ستتوخاه، تعزيز الفصل بين السلطات، وتدعيم استقلالية القضاء ودور البرلمان، وتأكيد مكانة المعارضة وحقوقها، وضمان المزيد من الحقوق والحريات للمواطنين.
             
تمس التعديلات المقترحة في هذا الإطار، المحاور الأساسية الأربعة من الدستور، وهي على التوالي: الديباجة، المبادئ العامة التي تحكم المجتمع، ولا سيما حقوق وحريات المواطن، تنظيم السلطات، والرقابة الدستورية.

أولاالمحور الأول المتعلق بالديباجة والمادة 74 من الدستور

يهدف التعديل المقترح في هذا الإطار، إلى دسترة التداول الديمقراطي على الحكم، من خلال إقراره في ديباجة الدستور، وترجمته في صلب النص بتحديد عدد العهدات الرئاسية – المادة 74-.

إن هذا المبدأ الذي يشكل احد مقتضيات الديمقراطية، وأحد دعائمها الأساسية، من شأنه هذا تعزيز أسس الديمقراطية، وبعث الحياة السياسية، وتمكين بروز آجلا، ثقافة التداول في بلادنا.

كما يتناول التعديل إضافة  عبارة - الشعب الجزائري- لإبراز دوره التاريخي في إقامة دولة عصرية ذات سيادة من جهة، ولترسيخ قيم السلم والمصالحة الوطنية لتكون وتبقى دوما معالم ثابتة لأجيال المستقبل ولتشكل سبلا ووسائل مفضلة لحل كل نزاع محتمل قد يواجهه المجتمع عبر تاريخه.
ثانيا: المحور الثاني المتعلق بالمبادئ العامة التي تحكم المجتمع الجزائري، لا سيما الفصول المتعلقة بالشعب والدولة، وحقوق المواطنين وحرياتهم وواجباتهم.

1فيما يخص الفصل المتعلق بالشعب

يقترح في هذا الفصل، دعم حماية الاقتصاد الوطني من خلال دستــرة، في آن واحد، مبدأ محاربة الرشوة الفاعلة والسلبية، والتصريح بالممتلكات، وإقرار مصادرة الممتلكات المكتسبة بفعل الرشوة، أيا كانت طبيعتها.

فهذه التعديلات من شأنها  تمكين محاربة هذه الآفة الخطيرة  بفعالية، وتعزيز الحكامة      في بلادنا.

2فيما يخص الفصل المتعلق بالدولة

يقترح في هذا الفصل، دعم ضمانات احترام عدم تحيز الإدارة، وإقرار معاقبة القانون كل إخلال بهذا المبدأ الدستوري.

3.  فيما يخص الحقوق والحريات

تهدف التعديلات المقترحة في هذا الإطار،  إلى توسيع وإثراء الفضاء الدستوري للمواطن من خلال تكريس حريات عامة جديدة، وتعزيز حقوق مكفولة دستوريا.

وفي هذا الصدد، فان إقرار العمل على تحقيق المناصفة بين الرجل والمرأة، وإقرار حرية ممارسة الشعائر الدينية في إطار القانون، وحرية الصحافة ضمن احترام حقوق وحريات الغير ومنع ممارسة أي رقابة مسبقة عليها، وحرية التظاهر والتجمع بطريقة سلميتين، والحق في محاكمة عادلة، ومنع الحجز أو الحبس في أماكن غير مقررة قانونا، وإلزامية إبلاغ الشخص الموقوف للنظر بحقه في الاتصال بعائلته، وإلزامية إخضاع القاصر الموقوف للنظر للفحص الطبي، وحماية بعض الفئات الاجتماعية الأكثر ضعفا، وواجب المواطن في حماية وحدة الشعب الجزائري  وواجب المواطنين للامتثال لمبدأ المسا واة امام الضريبة ، تعد، كلـّها، حقوق وحريات جماعية وفردية وواجبات على عاتق المواطن، بحيث أن دسترتها من شأنه أن يؤدي إلى تعميق ثقافة التسامح في بلادنا، ودعـم الحريات العامة، ودعم روح التضامن وتوطيد تقاليد مؤازرة المحتاجين والضعفاء بما يتماشى وتعاليم ديننا الحنيف.

4فيما يخص واجبات المواطن

تهدف التعديلات المقترحة إلى ما يأتي:
- إشراك المواطن في حماية وحدة الشعب،
- دعم احترام مبدأ المساواة أمام الضريبة بإقرار معاقبة القانون كل فعل يرمي إلى التحايل على هذا المبدأ.

ثالثا: المحور المتعلق بتنظيم السلطات

تهدف التعديلات المقترحة في هذا المحور، على الخصوص، إلى إضفاء المزيد من الانسجام والوضوح، ضمن احترام مبدأ الفصل بين السلطات، على النظام السياسي في البلاد، وذلك من خلال إعادة ترتيب العلاقات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية وبين مكوناتهما، ودعم صلاحياتهما بهدف تحقيق توازن أفضل بينهما، وفعالية أكبر في أعمال كل واحدة منهما، ومن خلال توسيع تمثيل السلطة القضائية في المجلس الدستوري، ودعم استقلالية القاضي.

1.          بعنوان السلطة التنفيذية

تهدف التعديلات إلى ما يأتي:

- إقرار شروط جديدة للترشح لرئاسة الجمهورية مراعاة لأهمية الوظيفة الرئاسية، وطابعها الجد حساس.

ويهدف هذا التعديل إلى تعزيز المركز القانوني لرئيس الجمهورية بصفته حامي الدستور، وبالنظر إلى أهمية مهمة حماية الجمهورية ومؤسساتها الموكلة إليه.

- إعادة ترتيب السلطة التنفيذية بهدف ضمان مرونة أفضل في العلاقات بين مكوناتها، وإضفاء المزيد من الفعالية على عمل الوزير الأول من خلال  تدعيم صلاحياته، ومنحه سلطة إخطار المجلس الدستوري.

2.           بعنوان السلطة التشريعية

تهدف التعديلات المقترحة على الخصوص، إلى تعزيز مبدأ الفصل بين السلطات من خلال دعم دور البرلمان في اتجاه تحقيق توازن أكبر بين غرفتيه، ومضاعفة صلاحياته.
وفي هذا الإطار، يقترح :

-         تخويل مجلس الأمة حق المبادرة وحق التعديل في المواضيع المحدّدة حصـرًا،

-          دعم آليات رقابة البرلمان لعمل الحكومة بهدف توفير شروط الحكامة الجيدة. ويقترح في هذا الإطار، على وجه الخصوص، دعم صلاحية المجلس الشعبي الوطني بتخصيص جلسة، في كل دورة تشريعية، لرقابة عمل الحكومة بحضور الوزير الأول وجوبا، ومنح كلا غرفتي البرلمان إمكانية إنشاء لجان إعلامية مؤقتة عبر كامل التراب الوطني، سعيا لتسهيل عمل البرلمانيين ميدانيا، وبعث ديناميكية لتحقيق مزيد من التعبئة حول تنفيذ مخطط عمل الحكومة، وتحديد أجل لاجتماع اللجنة المتساوية الأعضاء بمبادرة من الوزير الأول في حالة خلاف بين غرفتي البرلمان، وتحديد أجل لإجابة الحكومة على موضوع ساعة، وسؤال مكتوب يطرحه أعضاء البرلمان،  بحيث أن تحديد الآجال من شأنه ضمان أداء العمل البرلماني والحكومي بسرعة اكبر.
-         تعزيز مصداقية البرلمانيين ومشروعيتهم، وذلك بتكريس حضورهم الفعلي أشغال البرلمان، من جهة، ومنع تغيير الانتماء السياسي أثناء العهدة، مع الحفاظ على طابعها الوطني، حرصا على احترام "العقد المعنوي" الذي يربط المنتخب بمنتخبيه، من جهة أخرى.

-         مـنح الأقلية البرلمانية حقوق، لا سيما حق إخطار المجلس الدستوري، حول مدى مطابقة نصوص قانونية للدستور، بمعنى منازعة القوانين التي صادقت عليها الأغلبية البرلمانية، والمراسيم الرئاسية، وكذلك حق اقتراح جدول أعمال يعرض على المجلس الشعبي الوطني للنقاش. فهذه التعديلات التي تمنح المعارضة السياسية مركزا دستوريا، كفيلة بإعطاء دفع للحياة السياسية   وتعزيز الديمقراطية التعددية في بلادنا.

-         تـوسيع مجال اختصاص القوانين العضوية، ونقل مواضيع أخري من اختصاص القوانين العادية حاليا، إلى المجال العضوي، لما لها من أهمية ومن انعكاس على الحياة السياسية.

-         بعنوان السلطة القضائية

تهدف التعديلات المقترحة إلى ما يأتي:

-           توسيع استشارة مجلس الدولة مسبقا، في الأوامر وجوبا، وفي اقتراحات القوانين والمراسيم الرئاسية اختياريا، وذلك بمبادرة من رئيس الجمهورية أو رئيس إحدى غرفتي البرلمان، حسب الحالة، ووفق شروط وإجراءات منصوص عليها في الدستور.
فهذه التعديلات تهدف إلى توسيع صلاحيات رئيسي غرفتي البرلمان ودعم الوظيفة الاستشارية لمجلس الدولة.

-           حماية القاضي من كل أشكال الضغوط والتدخلات والمناورات، بإقرار حقه في التماس المجلس الأعلى للقضاء في حالة تعرضه لإحدى هذه الحالات.  ذلك أن ممارسة هذا الحق الدستوري من شأنه تدعيم استقلالية القاضي.

-           دعم تمثيل السلطة القضائية في المجلس الدستوري برفع عدد القضاة في هذه المؤسسة.

رابعا : المحور الرابع المتعلق بوظيفة الرقابة

تهدف التعديلات المرتقبة إلى تحديث المؤسسة التي أوكلت لها هذه الرقابة، بحيث يقترح في هذا الإطار:

-                إعادة النظر في تنظيم المجلس الدستوري، لا سيما في  تشكيلته  بزيادة عدد أعضائه لضمان تمثيل متوازن للسلطات الثلاثة بداخله، واستحداث وظيفة نائب رئيس المجلس الدستوري لضمان استقرار  وديمـومة  المؤسّسة.

-                دعـم المركز القانوني لأعضائه من خلال تمديد مدة العهدة بهدف اعتماد المعايير الدولية في هذا المجال، وإقـرار شروط السن والتأهيل والكفاءة والخبرة للعضوية في المجلس الدستوري، وإخضاع أعضاء المجلس الدستوري لإلزامية أداء اليمين أمام رئيس الجمهورية،

-                      تعميق استقلاليته بمنحه الاستقلالية الإدارية والمالية،

-                     وتوسيع إخطاره إلى الأقلية البرلمانية والوزير الأول.

فهذه التعديلات كفيلة بدعم مكانة المجلس الدستوري ودوره في مسار بناء دولة القانون وتعميق الديمقراطية التعددية وحماية الحقوق والحريات الفردية والجماعية.

*      *
*

وفي الختام، إنه لمن الغاية القصوى التذكير بأن رئيس الجمهورية لم يضع أي حدود مسبقة في هذا التعديل الدستوري، فيما عدا تلك المتعلقة بالثوابت الوطنية والقيم والمبادئ التي تؤسس المجتمع الجزائري، وتجسد تاريخه الطويل وحضارته العريقة ورؤيته المستقبلية المتشبعة بالقيم والمبادئ التي يتقاسمها كل المواطنين الجزائريين. 

فهذه  المبادئ التي تؤسس بنيان مجتمعنا تبقى راسخة، غير قابلة لأي تعديل، فهي تلك المبادئ المنقولة عبر الأجيال المتعاقبة لتشكل اليوم الموروث المشترك بين جميع الجزائريات والجزائريين، مما يجب الحرص على أن تبقى دوما، في منأى عن أي مساس محتمل، حتى تحفظ وتنقل بأمانة إلى الأجيال المقبلة.


 وسيتم الاعتماد في هذا التعديل الدستوري، إلى أن يكتمل، على مسعى تشاوري ثابت، قائم على التشاور مع القوى السياسية وأهم ممثلي المجتمع المدني والشخصيات الوطنية، وهو التشاور الذي سيفضي إلى إعداد نص توافقي سيخضع، بالنظر إلى محتواه، إلى إجراء التعديل الدستوري المناسب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق